قد يمرّ الإنسان في لحظات من عمره يشعر فيها أن الحياة تفلت من بين يديه، أن الأيام تمضي بلا طعم ولا معنى، وأن قلبه صار مثل غرفة مظلمة فقدت ضوءها. هذا الشعور المؤلم بالفراغ، بالانطفاء، بالتيه وسط زحام الحياة، هو ما يحاول الدكتور محمد إبراهيم أن يضع يده عليه في كتابه العميق والمؤثر: مفتقد للحياة.
الكتاب ليس مجرد سطور مكتوبة، بل هو أقرب لصرخة صادقة، ليدٍ حانية
تُربّت على كتف كل شخص فقد شغفه أو ضاع في متاهة الاكتئاب. في هذه الصفحات، ستجد
نفسك وجهاً لوجه أمام حقيقتك، أمام الأجزاء المنهكة منك، تلك التي لم تعد ترى جمال
الدنيا ولا تسمع موسيقى الروح. لكن في المقابل، ستجد أيضًا بصيص أمل، خيط نور صغير
يُذكّرك أن الحياة ما زالت هنا، تنتظرك أن تُمسك بها من جديد.
ما يميز هذا الكتاب هو أنه لا يتعامل مع الاكتئاب وكأنه وصمة أو مرض
يجب أن نخجل منه، بل يراه رسالة، نداء داخلي يخبرنا أن هناك شيئًا ناقصًا فينا،
شيئًا يحتاج أن يُشفى، أن يُلتفت إليه، أن يُسمع. الدكتور محمد إبراهيم يكتب بلغة
قريبة، صادقة، تُشعرك أنه يتحدث إليك وحدك، كما لو أنه يعرف تفاصيل جراحك، ويعلم
أين يؤلمك، وأين تحتاج إلى لمسة رحمة.
في هذا الفيديو، لن نقرأ الكتاب بسطحية، بل سنغوص في أعماقه، نكشف لك
كيف يصف رحلة الانطفاء، كيف يُعرّي لحظات العجز واليأس، وكيف يُعيدك خطوة بخطوة
نحو الحياة. سنتحدث عن كيف يمكن للكلمة أن تكون علاجًا، للوعي أن يكون دواءً،
وللصبر أن يكون بداية ولادة جديدة. ستكتشف أن "مفتقد للحياة" ليس فقط
عنوانًا، بل هو مرآة تعكس حال الكثيرين ممن يمشون بيننا دون أن نشعر بهم، ممن
يتألمون بصمت ويبحثون عن من يفهمهم.
فإذا كنت في يوم ما قد شعرت أن حياتك باهتة، أو أن روحك لم تعد تبتسم،
أو أنك تعيش جسدًا بلا روح، فهذا الملخص قد يكون رسالة خاصة لك. رسالة تقول لك:
لست وحدك. هناك دائمًا طريق للعودة، حتى وإن كان بطيئًا، حتى وإن كان مثقلًا
بالدموع.
أولاً:
مواجهة الفراغ الداخلي.
في الصفحات الأولى من الكتاب، يأخذنا الدكتور محمد إبراهيم إلى منطقة
لا يجرؤ الكثيرون على الدخول إليها: الفراغ الداخلي. ذلك الشعور الثقيل الذي يسكن
الصدر حين نجد أنفسنا نعيش بلا معنى، بلا هدف، بلا شغف. نحن نتحرك، نعمل، نضحك
أحيانًا، لكننا في أعماقنا نشعر وكأن الحياة قد تسللت منا خفية وتركتنا أجسادًا
تسير دون روح.
هذا الفراغ ليس لحظة عابرة، بل هو حالة تراكمية تبدأ بصمتٍ خفي، ثم
تتحول تدريجيًا إلى جدار سميك يفصلنا عن ذواتنا وعن العالم. الكاتب يصف هذه الحالة
بصدق مؤلم، وكأنه يضع المرآة أمام القارئ ليجعله يرى نفسه بوضوح: متى بدأت الحياة
تفقد ألوانها؟ متى صار الصباح مجرد وقت آخر يُضاف إلى أيامنا؟ متى توقفنا عن
الشعور بالدهشة؟
الأصعب في هذا الفراغ أنه غير ملموس. لا يُرى ولا يُفسر بسهولة. قد
يراه الآخرون ككسل، أو ضعف إرادة، أو حتى دلال نفسي، بينما هو في الحقيقة صرخة
مكتومة من الداخل، تعلن أن هناك شيئًا لم يعد على ما يرام.
الدكتور محمد إبراهيم لا يقدّم هنا حلولًا سريعة، بل يتعامل مع هذه
الحالة كما يتعامل الطبيب مع جرح عميق: أولًا يكشفه، ثم ينظفه، قبل أن يصف العلاج.
هو يطلب من القارئ أن يتوقف عن الهروب، أن ينظر مباشرة في عيني هذا الفراغ بدلًا
من إخفائه خلف قناع من القوة الزائفة. لأن الخطوة الأولى للتعافي ليست في الإنكار،
بل في الاعتراف: نعم، أنا أشعر أنني مفتقد للحياة.
هذا الاعتراف، رغم صعوبته، هو بداية الطريق. لأن من لا يُسمّي ألمه،
لن يعرف كيف يتعامل معه. الكتاب يدعونا لأن نكون صادقين مع أنفسنا، حتى لو كان
الصدق جارحًا. فحين نواجه الفراغ الداخلي، نكسر أول جدار بيننا وبين التعافي.
ولعل ما يميز هذا المحور هو صدقه الإنساني. فهو لا يُشعرك أنك وحدك في
هذه المعاناة، بل يذكّرك أن هناك الملايين ممن يمرون بها، حتى وإن بدوا أمامك
بخير. نحن جميعًا نحمل جراحًا صامتة، وأحيانًا مجرد إدراك هذه الحقيقة يمنحنا
عزاءً، ويخفف من شعورنا بالعزلة.
إن مواجهة الفراغ الداخلي، كما يصفها الكاتب، ليست استسلامًا، بل هي
شجاعة. لأن أقسى ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يتظاهر بأنه بخير بينما داخله
ينهار. لذلك، يعلّمنا الكتاب أن نسمح لأنفسنا بالاعتراف بالجرح، بالبكاء إذا لزم
الأمر، وبالحديث عن الألم بصوت مسموع. فهذه ليست علامات ضعف، بل هي أولى خطوات
القوة الحقيقية.
ثانياً: البحث عن المعنى المفقود.
بعد أن يضعنا الدكتور محمد إبراهيم أمام مرآة الفراغ الداخلي، ينتقل
بنا إلى سؤال أكثر عمقًا: لماذا نشعر أن حياتنا بلا معنى؟ لماذا تبدو الأيام
متشابهة كأنها نسخة واحدة تتكرر بلا جديد؟
هنا يكشف الكاتب أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياة ممتلئة حقًا إذا
كان يفتقد إلى "المعنى". المعنى هو الطاقة الخفية التي تحركنا، هو
البوصلة التي تجعل خطواتنا ثابتة، وتجعلنا نشعر أن وجودنا له قيمة أبعد من مجرد
التنفس والعيش الروتيني.
المشكلة تبدأ عندما نفقد هذا المعنى. حينها، نصبح مثل مسافر تائه يحمل
خريطة فارغة. نمشي، نعم، لكننا لا نعرف لماذا ولا إلى أين. كثيرون يظنون أن المعنى
يأتي من الإنجازات الكبيرة أو من النجاحات المبهرة، لكن الدكتور محمد إبراهيم
يذكّرنا أن المعنى قد يكون أبسط من ذلك بكثير. قد يكون في علاقة صادقة، في كلمة
نُسعد بها إنسانًا، في لحظة تأمل صافية، أو حتى في قرار شجاع بأن نبدأ من جديد.
الكتاب يوجّه القارئ إلى فكرة مهمة: أن المعنى ليس شيئًا ننتظره أن
يطرق بابنا، بل شيئًا نخلقه نحن بأفعالنا واختياراتنا. نعم، قد نشعر أحيانًا أن
الحياة عبثية، لكن هذا الشعور ليس نهاية الطريق، بل دعوة لإعادة البناء من الداخل.
في هذا المحور، يروي الكاتب كيف أن فقدان المعنى يرتبط غالبًا بفقدان
الاتصال بالذات. نحن ننغمس في مشاغل الحياة، في السعي وراء رضا الآخرين، في
محاولات التكيف مع صورة المجتمع، حتى نفقد صوتنا الداخلي. وهنا يبدأ الاكتئاب في
التسلل، لا كمرض بيولوجي فقط، بل كصرخة تقول: "لقد نسيت نفسك… لقد ابتعدت عن
حقيقتك".
المعنى، إذن، ليس رفاهية ولا ترفًا فكريًا، بل هو حاجة أساسية مثل
الهواء والماء. من دونه، نفقد الدافع للحياة، نفقد القدرة على الاستمتاع، ونعيش
وكأننا غرباء عن أنفسنا. الدكتور محمد إبراهيم يدعونا في هذا الجزء إلى أن نسأل
أنفسنا: ما الذي يجعلني أستيقظ في الصباح؟ ما الذي أعيش من أجله حقًا؟ إذا لم أجد
إجابة واضحة، فهذا يعني أن الوقت قد حان للبحث بصدق، لا للهروب.
ما يميز هذا الطرح أنه لا يقدّم وصفة سحرية، بل يترك الباب مفتوحًا
أمام كل قارئ ليجد معناه الخاص. لأنه لا توجد إجابة واحدة تصلح للجميع. فالمعنى
شخصي جدًا، يتشكل من تجاربنا، جراحنا، أحلامنا، وحتى من آلامنا.
وهنا يذكّرنا الكتاب بأن المعنى قد يولد من أصعب اللحظات. من الألم،
من الفقد، من الجراح العميقة. أحيانًا، تكون المعاناة هي التي تعيد إلينا المعنى،
لأنها تجعلنا نرى الحياة بعين مختلفة. فنحن لا نعرف قيمة الضوء إلا حين نجرب
الظلام، ولا نفهم قيمة الحياة إلا حين نواجه غيابها.
في نهاية هذا المحور، يضع الدكتور محمد إبراهيم بين أيدينا حقيقة
بديهية لكنها منسية: "المعنى ليس شيئًا ننتظره، بل شيئًا نزرعه كل يوم."
قد يكون هذا الزرع بطيئًا، لكنه وحده ما يضمن أن تعود حياتنا لتزهر من جديد.
ثالثاً: ثِقل الماضي وظلاله.
في هذا الجزء، يغوص بنا الكاتب في واحدة من أكثر القضايا التي تُثقل
أرواحنا: الماضي. ذلك الحمل الثقيل الذي نحمله على أكتافنا دون أن ندري أحيانًا،
لكنه ينهش في حاضرنا ويعطل قدرتنا على المضي قدمًا.
الماضي ليس مجرد ذكريات، بل هو سجل كامل من التجارب التي شكّلتنا،
سواء كانت سعيدة أو مؤلمة. لكن المشكلة تبدأ حين نُعطي للماضي سلطة أكبر من
اللازم. كثيرون منا يظلون عالقين في أخطاء ارتكبوها، أو جراح لم تلتئم، أو لحظات
فقد لم يقدروا على تجاوزها. والنتيجة أن حياتهم تتوقف في نقطة ما، وكأن الزمن لا
يتحرك.
الدكتور محمد إبراهيم يصور الماضي مثل ظل ثقيل يرافقنا أينما ذهبنا.
كلما حاولنا أن نخطو للأمام، شدّنا هذا الظل إلى الخلف. لكنه في الوقت نفسه
يذكّرنا أن هذا الظل لا وجود له إلا بقدر ما نعطيه نحن من قوة. بمعنى آخر: الماضي
لا يملك أن يسجننا إلا إذا سمحنا له نحن بذلك.
في هذا المحور، يتناول الكاتب فكرة "التحرر من الماضي" ليس
كدعوة للنسيان، بل كدعوة للتصالح. نحن لا نستطيع أن نمحو ما حدث، ولا أن نتظاهر
بأنه لم يكن، لكننا نستطيع أن نغيّر الطريقة التي نحمله بها في قلوبنا. فبدل أن
يكون الماضي لعنة، يمكن أن يكون معلمًا. وبدل أن يكون جرحًا مفتوحًا، يمكن أن يصبح
ندبة تذكّرنا بما تجاوزناه.
الأمر يحتاج إلى شجاعة. لأن مواجهة الماضي ليست سهلة. كثيرون يفضلون
دفنه في أعماقهم والهرب منه، لكن الحقيقة أن ما نهرب منه يظل يلاحقنا في صمت، حتى
يظهر في شكل قلق، اكتئاب، أو حتى فقدان الرغبة في الحياة. لذلك، يرى الكاتب أن
مواجهة الماضي بصدق هي خطوة أساسية على طريق التعافي.
ويشير أيضًا إلى أن الماضي ليس كله شرًا. ففيه لحظات جميلة يمكن أن
نستلهم منها القوة. نحن فقط بحاجة إلى إعادة ترتيب العلاقة معه: أن نأخذ منه ما
يعزز حاضرنا، ونترك ما يؤذينا خلفنا دون أسف.
بهذا الشكل، يصبح الماضي جزءًا من رحلتنا، لا سجنًا نُحبس فيه.
فالمفتقدون للحياة غالبًا ما يكونون عالقين في ذكرياتهم، يجلدون أنفسهم على ما
فات، أو يتمنون لو عاد الزمن إلى الوراء. لكن الحقيقة القاسية أن الماضي لن يعود،
والحياة لا تنتظر أحدًا.
رابعاً: سجن التوقعات وضغط الآخرين.
من بين أكثر الأسباب التي تجعلنا نشعر أننا مفتقدون للحياة، هي تلك
القيود غير المرئية التي يفرضها الآخرون علينا. نحن نعيش في عالم مليء بالتوقعات:
العائلة تتوقع منك أن تكون مثاليًا، المجتمع يتوقع أن تسلك مسارًا معينًا،
الأصدقاء يطالبونك بأن تظل دائمًا متواجدًا لهم، وحتى وسائل التواصل الاجتماعي
تصرخ في وجهك يوميًا بصورة لما "يجب" أن تكون عليه حياتك.
هذا السجن، كما يسميه الدكتور محمد إبراهيم، ليس مصنوعًا من حديد،
لكنه مع ذلك خانق أكثر من أي زنزانة. فنحن حين نحيا وفقًا لتوقعات الآخرين، نُفقد
ذواتنا. نصبح مجرد انعكاس لرغباتهم وصورتهم عما يجب أن نكونه، بدل أن نكون نحن كما
نحن حقًا.
في هذا الجزء، يفتح الكاتب جرحًا عميقًا يعيشه الكثيرون دون وعي: هل
نعيش لأنفسنا، أم لنرضي الآخرين؟ الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من الناس يقضون حياتهم
وهم يركضون في سباق لم يختاروه أصلًا، فقط لأن المجتمع أو الأهل رسموه لهم. في
النهاية، يصلون إلى لحظة صادمة: لقد أنجزوا ما طُلب منهم، لكنهم مع ذلك فارغون،
تعساء، ومفتقدون للحياة.
ويشير الكتاب إلى أن أخطر ما في التوقعات هو أنها تجعلنا نغفل عن
أصواتنا الداخلية. نحن نعرف في أعماقنا ما نريد، لكننا نتجاهله خوفًا من الرفض أو
النقد. نرتدي الأقنعة، نُخفي حقيقتنا، ونظن أننا بذلك نتجنب الألم. لكن الحقيقة أن
الألم الحقيقي يبدأ حين نخون أنفسنا.
الكاتب لا يطالبنا هنا بأن نتمرد على كل التوقعات فجأة، لكنه يدعونا
لإعادة التوازن. أن نسأل أنفسنا: أي جزء من حياتي أعيشه بإرادتي، وأي جزء أعيشه
فقط لإرضاء الآخرين؟ مجرد طرح هذا السؤال قد يكون بداية تحرر.
ويقدّم الكتاب مثالًا واقعيًا: شاب يسعى لإرضاء والديه في مهنة لا
يحبها. ينجح، يكسب المال، ويبدو للجميع أنه "حقق كل شيء". لكن داخله
ينهار، لأنه تخلّى عن شغفه، عن صوته، عن ذاته. هذا النموذج يتكرر كثيرًا في
مجتمعاتنا، حيث نربط قيمة الإنسان بما يقدمه للآخرين أكثر مما يقدمه لنفسه.
إن التوقعات لا تُقتل فقط أحلامنا، بل تسلبنا الحياة ذاتها. وعندما
نجد أنفسنا عالقين في هذا السجن، نشعر أننا نعيش حياة ليست لنا، حياة بلا روح.
الدكتور محمد إبراهيم يذكّرنا أن التحرر يبدأ من الداخل. أن نكون
صادقين مع أنفسنا أولًا، أن نجرؤ على قول "لا" حين يلزم الأمر، وأن ندرك
أن سعادتنا ليست رفاهية بل حق.
في النهاية، يضع أمامنا الكاتب سؤالًا مصيريًا: "هل تريد أن تعيش
حياتك، أم حياة الآخرين؟" والإجابة على هذا السؤال هي ما يحدد إن كنا سنظل
مفتقدين للحياة، أم سنستعيدها بأيدينا.
خامساً:
عبودية المقارنة وفخ المثالية.
في هذا الجزء، يأخذنا الدكتور محمد إبراهيم إلى أحد أخطر الأفخاخ التي
تسلبنا متعة الحياة: المقارنة
المستمرة بالآخرين. نحن نعيش في
عصرٍ أصبحت فيه حياة الآخرين معروضة أمامنا بلمسة إصبع عبر شاشات الهواتف. صور
لنجاحات، رحلات، إنجازات، وضحكات مصطنعة أحيانًا، تجعلنا نشعر أن حياتنا باهتة
بالمقارنة.
هنا يكشف الكاتب أن المقارنة ليست مجرد عادة سيئة، بل هي عبودية
حقيقية. فعندما نقيس قيمتنا بما يملكه الآخرون أو بما يحققونه، فإننا نضع أنفسنا
في سباق لا نهاية له. مهما وصلنا إلى محطة، سيظهر دائمًا من سبقنا إلى أبعد منها،
فنظل نركض بلا توقف.
والمشكلة لا تقف عند المقارنة فقط، بل تتضاعف مع فخ المثالية.
نحن نُقنع أنفسنا أن علينا أن نكون مثاليين: أجمل، أذكى، أنجح، وأقوى.
لكن الحقيقة أن المثالية وهم. لا أحد يعيش حياة كاملة بلا عثرات. حتى أولئك الذين
نراهم على القمم، يحملون جراحهم وآلامهم المخفية.
الكاتب يشير إلى أن المثالية تجعلنا سجناء لصورة غير واقعية عن
أنفسنا. نحن نحاول باستمرار أن نلائم تلك الصورة، وعندما نفشل – وهو أمر لا مفر
منه – نشعر بالذنب والخزي. وهكذا نغرق أكثر فأكثر في دائرة "أنا لست كافيًا".
المقارنة والمثالية معًا يسرقان منا أثمن ما نملك:
الرضا. الرضا بما نحن
عليه، بما لدينا، وبما نحققه بخطواتنا الخاصة. فحين ننشغل بالنظر إلى الآخرين،
نفقد متعة النظر إلى داخلنا.
الدكتور محمد إبراهيم لا يطرح الأمر كمجرد نقد، بل يوجّهنا نحو حل
عملي: أن ندرك أن لكل إنسان رحلته الخاصة. ما ينفع غيرك قد لا ينفعك، وما ينجح معه
قد لا يناسبك. نحن لا نُقاس بمقياس واحد، ولا نسير على طريق واحد؛ويضيف أن الطريق
إلى التحرر من المقارنة يبدأ بالامتنان. أن نلتفت إلى حياتنا كما هي، بأبسط
تفاصيلها، ونقدّر ما لدينا بدلًا من الانشغال بما ينقصنا. والامتنان هنا ليس
إنكارًا للرغبة في تحسين الذات، بل هو اعتراف بأننا كافون بالفعل، حتى ونحن نسعى
للأفضل.
بهذا، يصبح المحور الخامس بمثابة جرس إنذار لكل من يستنزف نفسه في
مطاردة صورة مثالية أو في سباق لا ينتهي مع الآخرين. لأن الحقيقة أن المقارنة لن
تمنحنا أبدًا إحساسًا بالحياة، بل ستزيدنا افتقادًا لها.
سادساً:
الخوف من المستقبل وقلق الغد.
إذا كان الماضي يثقلنا بذكرياته، والحاضر يقيدنا بتوقعات الآخرين
ومقارناتنا بهم، فإن المستقبل بدوره ينهش قلوبنا بالخوف والقلق. وهنا يفتح الدكتور
محمد إبراهيم أحد أعمق الجروح الإنسانية: هاجس
الغد.
المستقبل بالنسبة للكثيرين ليس فرصة، بل تهديد. أسئلة لا تنتهي: ماذا
لو فشلت؟ ماذا لو خسرت؟ ماذا لو تركني أحبتي؟ ماذا لو لم أحقق شيئًا؟ هذه
"الماذا لو" تصبح سجنًا خانقًا، يدفع الإنسان لأن يعيش في قلق مستمر،
وكأنه ينتظر كارثة وشيكة.
الكاتب يصف هذا الشعور بدقة: الخوف من المستقبل أشبه بوحش خفي، لا
نراه لكنه يسيطر علينا. نحن نُسقط على الغد مخاوفنا الخاصة، ونرسم صورًا سوداء لما
قد يحدث، رغم أنه لم يحدث بعد. وهكذا، بدل أن نستمتع باللحظة التي بين أيدينا،
نهدرها في التفكير بما قد لا يأتي أبدًا.
ويؤكد أن هذا القلق المستمر يجعلنا مفتقدين للحياة مرتين: مرة لأننا
لا نعيش الحاضر، ومرة لأننا نُعذّب أنفسنا بأشباح المستقبل. الأمر يشبه من يسير في
صحراء حاملاً على ظهره حقيبة مليئة بالحجارة. كل خطوة تصبح أثقل، لا لأنه أنهك
فعلاً، بل لأنه حمّل نفسه بما لم يأتِ بعد.
لكن الدكتور محمد إبراهيم لا يكتفي بوصف المشكلة، بل يقدّم رؤية
للخروج منها. هو يرى أن الحل يكمن في الثقة والتسليم.
ليس بمعنى الاستسلام السلبي، بل بمعنى إدراك أن الغد خارج سيطرتنا
بالكامل. كل ما نملكه حقًا هو "الآن".
ويذكّرنا أن الخوف من المستقبل لا يغيّر شيئًا فيه، بل يزيده ظلمة. في
المقابل، العمل على الحاضر، بخطوات صغيرة ومتوازنة، هو وحده ما يمكن أن يمهّد
لمستقبل أفضل. بمعنى آخر: نحن لا نستطيع التحكم بالغد، لكننا نستطيع أن نزرع اليوم
ما قد نحصد ثماره غدًا.
كذلك يشير إلى أن كثيرًا من المخاوف التي نعيشها بشأن المستقبل، لا
تتحقق أصلًا. نحن نستهلك طاقتنا في القلق على أحداث خيالية، بينما تمر الحياة من
أمامنا دون أن ننتبه.
إن الخوف من المستقبل ليس مجرد قلق، بل هو سرقة خفية للحياة نفسها.
والكاتب يدعونا لأن نستعيد حياتنا من خلال التوازن: أن نستعد للغد، نعم، لكن دون
أن نجعل من الغد وحشًا يلتهم الحاضر.
وفي النهاية، يضعنا أمام حقيقة واضحة: "الغد لم يأتِ بعد،
والحاضر يهرب منا، فماذا يبقى؟ يبقى أننا إذا لم نتمسك بهذه اللحظة، سنجد أنفسنا
مفتقدين للحياة كلها."
سابعاً: العيش على الهامش وفقدان الشغف.
من بين أكثر ما يجعل الإنسان يشعر أنه مفتقد للحياة هو أن يعيش وكأنه
مجرد متفرج، يقف على الهامش بينما يمر قطار الأيام أمامه. يصف الدكتور محمد
إبراهيم هذه الحالة بأنها موت بطيء، حيث يعيش الإنسان بلا شغف، بلا دافع، وبلا
إحساس حقيقي بالوجود.
الحياة بلا شغف أشبه بكتاب فارغ. صحيح أننا نقلب صفحاته يومًا بعد
يوم، لكننا لا نجد فيه قصة تستحق أن تُروى. فالشغف، كما يوضح الكاتب، ليس رفاهية
ولا مجرد هواية، بل هو الوقود الذي يجعل للحياة طعمًا ومعنى.
العيش على الهامش يحدث غالبًا عندما نستسلم للروتين. نستيقظ، نعمل،
نأكل، ننام، ثم نكرر الدورة نفسها مرارًا وتكرارًا. ومع مرور الوقت، نفقد أي إحساس
بالمتعة أو التجدد. نصبح كآلات مبرمجة، تؤدي ما هو مطلوب منها فقط.
ويشير الكاتب إلى أن فقدان الشغف لا يحدث فجأة، بل يتسلل إلينا ببطء.
يبدأ حين نتخلى عن أحلامنا الصغيرة، أو حين نقنع أنفسنا أن الوقت لم يحن بعد لنعيش
كما نريد. ومع كل تنازل، نفقد جزءًا من ذواتنا، حتى نجد أنفسنا غرباء عن أنفسنا.
لكن الأخطر من ذلك، كما يوضح الكتاب، هو أن العيش بلا شغف يجعلنا أكثر
عرضة للانغماس في عادات سلبية أو هروب متواصل. فحين لا نجد معنى في ما نفعله، نلجأ
لتعويض ذلك عبر استهلاك زائد، أو حتى الغرق في إدمانات مختلفة.
غير أن الدكتور محمد إبراهيم يذكّرنا أن الشغف ليس بالضرورة شيئًا
ضخمًا أو حلمًا أسطوريًا. قد يكون في أبسط الأشياء: في قراءة كتاب، في كتابة سطر،
في ممارسة رياضة محببة، أو حتى في لحظة صادقة مع من نحب. المهم أن نجد ذلك الشيء
الذي يجعل قلوبنا تنبض بالحياة من جديد.
العيش في الهامش ليس قدرًا محتومًا، بل هو نتيجة لاختياراتنا. فإذا
كنا قادرين على أن نترك أنفسنا للتكرار والفراغ، فنحن قادرون أيضًا أن نعيد اكتشاف
أنفسنا ونمنح حياتنا لونًا جديدًا.
في النهاية، يضعنا الكاتب أمام سؤال جوهري: "هل أنت تعيش فعلًا،
أم أنك فقط موجود؟" والإجابة على هذا السؤال قد تكون بداية الطريق نحو حياة
لا نفتقدها، بل نحتضنها بكل تفاصيلها.
ثامناً: جراح
العلاقات وثقل الوحدة.
في هذا الجزء يفتح الدكتور محمد إبراهيم واحدًا من أعقد الأبواب في
النفس الإنسانية: العلاقات.
فالعلاقات هي مصدر دفئنا وسندنا، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى
جراح غائرة تتركنا نازفين لفترات طويلة.
الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، لا يستطيع العيش في عزلة تامة. نحن
نبحث دائمًا عن من يشاركنا أفراحنا وأحزاننا، من يساندنا في ضعفنا، ومن يجعل
وجودنا أكثر احتمالًا. لكن المشكلة أن العلاقات ليست دائمًا كما نتمنى. أحيانًا
نصدم بخيانة، أو بإهمال، أو بخذلان ممن ظننا أنهم أقرب الناس إلينا.
وهنا يصف الكاتب ببراعة كيف يمكن أن تتحول العلاقات إلى عبء نفسي.
فعندما نمنح قلوبنا بلا وعي كامل، ونعلّق سعادتنا بالكامل على الآخرين، نصبح أسرى
لتصرفاتهم. فإذا ابتعدوا، أو قصّروا، أو أساؤوا، وجدنا أنفسنا مكسورين، كأننا
فقدنا جزءًا من كياننا.
لكن الجانب الآخر من المشكلة لا يقل ألمًا: الوحدة.
حين لا نجد علاقة صادقة أو دفئًا بشريًا نتكئ عليه، نشعر بثقل الفراغ
الذي يبتلعنا. الوحدة ليست مجرد غياب الآخرين من حولنا، بل هي شعور داخلي عميق
بأننا غير مرئيين، غير مفهومين، وغير مُحبين بما يكفي.
ومع ذلك، لا يتركنا الدكتور محمد إبراهيم في هذه الظلمة دون نور. بل
يوضح أن الحل يبدأ من الداخل. العلاقات السليمة لا تُبنى على الاحتياج المَرَضي،
بل على الاكتمال الذاتي. حين نحب أنفسنا
ونتقبلها، نصبح قادرين على الدخول في علاقات صحية لا تقوم على التعلق المرضي أو
الخوف من الهجر.
ويذكّرنا أيضًا أن الوحدة ليست دائمًا عدوة. أحيانًا تكون فرصة ذهبية
للتقرب من الذات، لإعادة اكتشافها، ولزرع بذور قوة داخلية لا تعتمد على أحد.
فالوحدة التي تُختار بوعي قد تكون أداة شفاء، بينما الوحدة المفروضة قسرًا قد تكون
جرحًا، والفرق بينهما هو في كيفية إدارتنا لها.
بكلماته، يجعلنا ندرك أن العلاقات ليست الهدف الأسمى في حد ذاتها، بل
وسيلة تساعدنا لنعيش بعمق أكثر. وأنه من الخطأ أن نربط قيمتنا بوجود أو غياب
الآخرين في حياتنا. فالقيمة الحقيقية تنبع منا أولًا، ومن ثم تنعكس على جودة
الروابط التي نبنيها مع غيرنا.
وفي النهاية، يضع الدكتور محمد إبراهيم قاعدة ذهبية: "العلاقات
الصحية تبدأ من علاقة صحية مع نفسك." فإذا كنا نرفض أنفسنا أو نجلدها
باستمرار، فلن نجد في الخارج ما يعوض هذا الرفض. لكن حين نتصالح مع ذواتنا، سنجذب
بدورنا من يقدّرنا بحق، لا من يستهلكنا ويستنزفنا.
تاسعاً:
الاستسلام للعجز والانهزام الداخلي.
يصل بنا الكاتب هنا إلى محطة خطيرة في رحلة الافتقاد للحياة، وهي حين
يستسلم الإنسان لإحساس بالعجز، وكأن الحياة أقوى منه، وكأن لا جدوى من أي محاولة
للتغيير.
العجز ليس في الجسد دائمًا، بل قد يكون في الروح. قد يكون الإنسان
صحيح البدن، لكنه من الداخل منكسر، مثقل بالهزائم المتراكمة التي أوهمته أن
المحاولة عبث، وأن كل جهد مصيره الفشل. وهنا يحذر الدكتور محمد إبراهيم من أن هذا
الإحساس بالعجز هو سجن داخلي، أخطر من أي قيود خارجية.
فالإنسان حين يقتنع أنه لا يستطيع، يتوقف عن السعي. وحين يتوقف عن
السعي، يُطفئ آخر جذوة أمل بداخله. ومع الوقت، يصبح مثل طائر كُسرت أجنحته، يكتفي
بالنظر إلى السماء دون أن يجرؤ على التحليق.
لكن الأخطر أن هذا العجز كثيرًا ما يكون وهماً، صنعته عقولنا أكثر مما
فرضته ظروفنا. فالظروف قد تكون قاسية حقًا، لكن طريقة قراءتنا لها هي التي تحدد
إذا ما كانت نهاية المطاف، أم مجرد محطة صعبة يمكن تجاوزها.
ويشير الكاتب إلى أن الاستسلام للعجز غالبًا ما يبدأ من تجارب
قديمة مؤلمة: فشل متكرر، رفض
من الآخرين، أو صدمات جعلتنا نشك في قدراتنا. ومع تكرار هذه التجارب، يتكون لدينا
ما يشبه "برمجة سلبية" تقنعنا بأننا غير قادرين. وهكذا نتحول من ضحايا
للماضي، إلى سجناء له.
لكن هنا يأتي دور الوعي. فمجرد إدراك أن هذا العجز ليس حقيقة مطلقة،
بل فكرة زرعها الخوف في داخلنا، هو بداية التحرر منه. الدكتور محمد إبراهيم
يذكّرنا أن الإنسان وُجد ليخوض معاركه، لا ليهرب منها. وأن كل محاولة، حتى إن لم
تصل بنا إلى النتيجة التي نريدها، تترك فينا بذور قوة لم تكن موجودة من قبل.
ولذلك، فإن الحل لا يكمن في أن ننتظر الظروف لتتغير، بل أن نغيّر
زاوية نظرنا إليها. أن نبدأ بخطوات صغيرة، مهما بدت ضئيلة، لأن كل خطوة تكسر شيئًا
من جدار العجز. فالطريق إلى استعادة الحياة لا يبدأ بقفزات كبيرة، بل بقرارات
يومية بسيطة، مثل أن نواجه خوفًا صغيرًا، أو ننجز مهمة مؤجلة، أو نقول لأنفسنا
"أنا أستطيع" حتى وإن كنا نشك بذلك في البداية.
وفي النهاية، يتركنا الكاتب أمام خيار واضح: إما أن نستسلم ونبقى أسرى
لعجز وهمي، أو أن نقرر مواجهة الحياة بشجاعة، فنكتشف أن بداخلنا قوة لم نكن نظن
أنها موجودة.
عاشراً:
المصالحة مع الذات واستعادة الحياة.
بعد أن أخذنا الدكتور محمد إبراهيم في رحلة طويلة بين جراح النفس
وأسرار افتقاد المعنى، يصل بنا في المحور الأخير إلى اللحظة الفاصلة:
المصالحة مع الذات. فهي ليست مجرد
فكرة عابرة أو خطوة بسيطة، بل هي المفتاح الذي يفتح كل الأبواب المغلقة التي تحدث
عنها الكتاب.
المصالحة مع الذات تعني أن ننظر إلى داخلنا بلا خوف، أن نرى ضعفنا كما
نرى قوتنا، وأن نقبل ماضينا بأخطائه وانكساراته دون أن نسمح له أن يسرق حاضرنا.
فطالما ظل الإنسان يحارب نفسه أو يرفضها، فلن يجد السلام أبدًا. وكما يشير الكاتب،
"عدوك الأول ليس العالم من حولك، بل صوتك الداخلي الذي لا يكف عن جلدك."
إن استعادة الحياة تبدأ حين نتوقف عن مقارنة أنفسنا بالآخرين، وحين
ندرك أن لكل واحد منا طريقًا مختلفًا، مليئًا بالدروس التي تخصه وحده. تبدأ حين
نسمح لأنفسنا أن نكون بشرًا، نخطئ ونتعثر، لكننا نستمر في المحاولة.
المصالحة مع الذات تعني أيضًا أن نعيد ترتيب أولوياتنا. أن نمنح
قلوبنا الوقت الكافي للراحة، وأن نعيد الاتصال بما يجعلنا نشعر بالشغف. فبدون شغف
لا حياة، وبدون سلام داخلي لا سعادة.
ويؤكد الدكتور محمد إبراهيم أن هذه المصالحة ليست نهاية المطاف، بل هي
بداية الطريق. إنها بمثابة ولادة جديدة، لحياة أكثر وعيًا وامتلاءً. ولعل أجمل ما
في هذا المحور أنه يضع أمامنا خيارًا عمليًا: إما أن نظل أسرى لماضٍ مثقل ولحاضر
مشوش، أو أن نقرر استعادة زمام حياتنا، ونكتب قصتنا بأيدينا.
إن "المفتقد للحياة" ليس من لا يملك المال أو الشهرة أو
الاعتراف الاجتماعي، بل من فقد ذاته ولم يعد قادرًا على أن يعيش معها بسلام. أما
من يتصالح مع نفسه، فيصبح قادرًا أن يحيا حتى وسط أقسى الظروف، لأن حياته تنبع من
الداخل لا من الخارج.
وفي النهاية، يتركنا الكتاب مع دعوة عميقة: أن نلتفت إلى أرواحنا قبل
أن يمر العمر سهوًا، وأن نزرع في كل يوم معنى، مهما كان بسيطًا. فالحياة ليست في
طولها، بل في عمقها، ومن أدرك ذلك لم يعد أبدًا مفتقدًا للحياة.
الخاتمة: رحلة من الظلام إلى النور.
حين نغلق صفحات هذا الكتاب، لا نجد أنفسنا أمام مجرد كلمات أو نظريات
نفسية جامدة، بل أمام رحلة حقيقية تشبه ما يمر به كل واحد منا بدرجات
متفاوتة. رحلة تبدأ من الفراغ الداخلي، ومن ذلك الإحساس الثقيل بأننا نعيش بلا
حياة، بلا معنى، بلا شغف، ثم تمر بكل الجراح التي قد تخنقنا: الماضي، التوقعات،
المقارنات، الخوف، الوحدة، والعجز… حتى تصل بنا في النهاية إلى النقطة الأهم:
المصالحة مع الذات.
لقد أراد الدكتور محمد إبراهيم أن يضع أمامنا مرآة، مرآة صادقة لا
تجامل ولا تزيّن. هذه المرآة قد تصدمنا، لأنها تكشف ما نحاول أن نخفيه عن أنفسنا:
أننا في سباق محموم قد نفقد معه أنفسنا، أننا نحمل فوق قلوبنا أثقالًا لم نعد
قادرين على السير بها، وأننا نبحث في الخارج عما لا يمكن أن نجده إلا في الداخل.
لكن قوة الكتاب تكمن في أنه لا يتركنا في دائرة التشخيص فقط، بل يمدّ
يده إلينا ليدلّنا على الطريق. يخبرنا أن الألم ليس نهاية، وأن افتقادنا للحياة
ليس قدرًا محتومًا. بل هو دعوة للانتباه، للعودة، لإعادة الاتصال بذواتنا، واختيار
أن نعيش بوعي، لا أن نسمح للحياة أن تسحبنا كجسد بلا روح.
إن الرسالة الأعمق التي يقدمها هذا الكتاب هي أننا لسنا ضحايا كما
نظن. لسنا مجرد كائنات محكومة بالظروف أو بالآخرين. نحن نملك خيارًا، وإن بدا
صعبًا: خيار أن نتصالح مع ماضينا بدل أن نظل أسرى له، أن نكسر قيود المقارنة ونمشي
في طريقنا الخاص، أن نزرع المعنى حتى في أصغر تفاصيل يومنا، وأن نعيد تعريف
السعادة على أنها حالة داخلية لا يقررها أحد سوانا.
وفي النهاية، يتضح أن "مفتقد للحياة" ليس كتابًا عن الحزن
بقدر ما هو كتاب عن الأمل. الأمل في أن كل جرح يمكن أن يكون بداية شفاء، وكل
انهيار يمكن أن يكون ولادة جديدة، وكل شعور بالفراغ يمكن أن يكون دعوة لامتلاء
أعمق.
إنه تذكير قوي أن الحياة ليست مجرد أنفاس نعدّها، بل هي ما نملؤها به
من معنى. وإذا ما تعلمنا أن نصغي إلى أرواحنا، أن نمنحها ما تستحقه من عناية، فلن
نكون بعد الآن مفتقدين للحياة، بل عائدين إليها، ممتلئين بها، وأقدر على عيشها
بصدق وامتلاء.
وهكذا نصل إلى نهاية رحلتنا مع كتاب مفتقد للحياة، رحلة جعلتنا
نرى بوضوح أن الحياة ليست شيئًا نبحث عنه في الخار ج، بل هي قرار نزرعه في داخلنا
كل يوم. إذا وجدت في هذه الخلاصة ما يلمس قلبك أو يفتح أمامك نافذة أمل، فلا تتردد
في مشاركته مع من تحب، فربما يكون هو الضوء الذي يحتاجه شخص آخر.
تعليقات
إرسال تعليق