قد تبدو صفحات التاريخ أحيانًا جامدة، مجرد تواريخ ومعارك وأسماء محفورة على الورق، لكن حين نمسك بين أيدينا كتاب الأيام الحمراء للشيخ عبد الوهاب النجار، فإننا لا نقرأ مجرد تاريخ، بل نعيش في قلبه. هذه المذكرات ليست كأي كتاب، بل نافذة مفتوحة على واحدة من أعظم لحظات النضال في تاريخ مصر الحديث: ثورة 1919.
في هذه الصفحات، لا نجد خطابات سياسية منمقة أو تحليلات باردة، بل
نسمع صوت الشوارع والميادين، نشم رائحة الدخان المنبعث من المظاهرات، ونرى وجوه
الطلاب والعمال والنساء الذين خرجوا لأول مرة يطالبون بالحرية. الشيخ النجار لم
يكن مجرد مؤرخ يكتب عن الماضي، بل شاهد عيان يسجل اللحظة بلحظة، ليمنحنا فرصة
فريدة أن نعود بالزمن أكثر من قرن، ونرى مصر وهي تثور وتقاوم.
إنها مذكرات لا تكتفي بتوثيق الأحداث، بل تكشف الروح الحقيقية للثورة:
روح الوحدة، والإصرار، والإيمان بأن الوطن أكبر من أي انقسام. من مشهد الهلال وهو
يحتضن الصليب، إلى هتاف النساء في شوارع القاهرة، وصولًا إلى دماء الشهداء التي
صنعت طريق الحرية… كلها تفاصيل تجعل الأيام الحمراء كتابًا لا يقرأ فقط، بل يُعاش
ويُحس.
أولاً: انطلاق الثورة ودور الطلاب.
حين يمسك الشيخ عبد الوهاب النجار قلمه ليكتب الأيام الحمراء، يبدأ من
النقطة التي فجّرت الثورة، وكأنها شرارة أشعلت حريقًا امتد إلى كل بيت في مصر: اعتقال
سعد زغلول ورفاقه ونفيهم خارج البلاد. لم يكن هذا الاعتقال مجرد
خطوة سياسية عابرة، بل كان أشبه بصب الزيت على نار متقدة تحت الرماد. الناس كانوا
يشعرون بالقهر منذ سنوات طويلة من الاحتلال البريطاني، لكن غياب سعد زغلول فجّر
الغضب، وحوّل التذمر المكتوم إلى ثورة علنية تجتاح الشوارع.
في هذا الجزء من المذكرات، ينقل لنا النجار صورة حيّة لبداية الثورة،
حيث كان الطلاب هم أول من كسر حاجز الصمت. خرجوا من مدارسهم وجامعاتهم،
يهتفون ضد الاحتلال، مطالبين بعودة زعمائهم. لم تكن المظاهرات وقتها ضخمة، لكنها
كانت صادقة وعفوية، وهذا ما منحها قوة هائلة. النجار يصف بوضوح كيف كانت عيون
الشباب مشتعلة بالأمل، وكيف تحوّلت حناجرهم إلى مدافع تُطلق شعارات الحرية في وجه
الجنود الإنجليز.
وما لبثت هذه المظاهرات الطلابية أن امتدت لتشعل باقي الفئات. فقد
انضم العمال والفلاحون، وأعلن الموظفون إضرابات واسعة. شوارع القاهرة
والإسكندرية، ثم مدن الدلتا والصعيد، تحولت إلى ساحات غضب. الشيخ النجار يسجل بدقة
مشاهد قطع السكك الحديدية، وتعطيل حركة القطارات، ورفض الأهالي التعامل مع سلطات
الاحتلال. لقد تحولت الثورة إلى عصيان مدني شامل لم يكن من السهل قمعه.
لكن ما يلفت النظر في هذه البداية هو الطابع الشعبي الخالص
للثورة. لم تكن حركة فوقية تقودها النخبة من أعلى، بل كانت انتفاضة جماعية نابعة
من الناس أنفسهم. يصف النجار كيف أن "الفلاح في قريته، والعامل في مصنعه،
والطالب في جامعته، والتاجر في متجره" كانوا جميعًا على قلب رجل واحد. لم يعد
الاحتلال يواجه مجرد حزب سياسي أو مجموعة من القادة، بل أمة بأكملها تصرخ في وجهه:
"ارحل".
ويُبرز النجار أيضًا لحظة سقوط أول شهيد، تلك اللحظة التي
سماها بـ"اليوم الأحمر". هنا تغير المشهد كليًا، إذ تحوّل الحراك من
مجرد احتجاجات غاضبة إلى ثورة حقيقية. كان الدم الذي سُفك في الشوارع وقودًا
جديدًا لمزيد من الغضب، ولم يعد الناس يخافون من المواجهة، بل صاروا أكثر إصرارًا
على المضي حتى النهاية.
لقد نجح النجار في أن يجعلنا نعيش هذه الأيام لا كمجرد تاريخ محفوظ،
بل كواقع حي نلمسه. من خلال كلماته، نرى كيف بدأت الثورة بمظاهرة صغيرة، لكنها
سرعان ما تحولت إلى انتفاضة وطنية كبرى، وكيف لعب الشعب المصري كله دور البطولة،
دون استثناء أو تمييز.
ثانياً: شبكة التظاهرات والأعمال الشعبية.
بعد أن أشعلت شرارة الطلاب والعمال والفلاحين بداية الثورة، ينتقل
الشيخ عبد الوهاب النجار في مذكراته إلى تصوير مشهد لا يقل أهمية عن الانفجار
الأول:
اتساع رقعة الثورة لتشمل جميع طبقات الشعب، وتجلّي أبهى صور الوحدة
الوطنية بين المسلمين والأقباط.
هنا تتغير الصورة من مجرد مظاهرات متفرقة إلى انتفاضة شاملة. يصف
النجار كيف امتدت نار الثورة من القاهرة إلى الريف، ومن المدن الكبرى إلى القرى
الصغيرة. لم يعد الأمر احتجاجًا في العاصمة يمكن السيطرة عليه، بل أصبح عصيانًا
شعبيًا عامًا أربك الاحتلال وأفقده القدرة على السيطرة الكاملة.
لكن أجمل ما يلتقطه النجار بعين الشاهد لا بعين المؤرخ هو مشهد
التلاحم الوطني.
الاحتلال البريطاني كان يراهن دائمًا على اللعب على وتر الانقسام
الطائفي، محاولًا إشعال نار الفتنة بين المسلمين والأقباط، لكن ما حدث كان عكس ذلك
تمامًا. فقد خرجت المواكب الشعبية تحمل المصحف والصليب معًا، في مشهد لا يمكن
نسيانه. لم يكن مجرد رمز أو شعار، بل كان إعلانًا صريحًا أن الوطن أكبر من كل
خلافات العقيدة، وأن المصريين جسد واحد إذا تعرض أحد أجزائه للعدوان.
النجار يصف بحماسة كيف كانت المظاهرات تمتلئ بهتافات تتردد في الشوارع: "يحيا
الهلال مع الصليب"،
وكيف كان رجال الدين من الجانبين يرفعون أصواتهم ضد الاحتلال، مؤكدين أن الدفاع عن
الوطن فريضة دينية ووطنية معًا. هذه الوحدة قلبت المعادلة، وجعلت الاحتلال يشعر
بالعجز، إذ لم يعد يواجه طائفة ضد أخرى، بل شعبًا متماسكًا يقف كتفًا إلى كتف؛وفي
الوقت نفسه، يسجل النجار كيف أن المرأة المصرية بدأت تخرج إلى الشوارع لأول مرة في
مشاهد غير مسبوقة. صحيح أن هذا الحضور سيتضح بشكل أكبر لاحقًا، لكنه يشير منذ الآن
إلى الدور المتنامي للنساء، وكيف أن الثورة كسرت الحواجز الاجتماعية، وأخرجت
المرأة من دائرة الصمت إلى ساحة الفعل.
ثم يصف الشيخ أيضًا أثر هذه الوحدة على المزاج العام للشعب. لم يعد
الناس يشعرون باليأس أو الخوف، بل بالإيمان الجماعي أن التغيير ممكن. الوحدة أعطت
للثورة روحًا أقوى، وأكدت أن النضال ليس شأن فئة معينة، بل مسؤولية مشتركة لكل
المصريين.
بهذا يرسم النجار لوحة متكاملة تكشف أن ثورة 1919 لم تكن مجرد حركة
سياسية ضد الاحتلال، بل كانت ميلادًا جديدًا للهوية الوطنية المصرية، حيث ذابت
الفوارق الدينية والاجتماعية في بوتقة واحدة اسمها: مصر.
ثالثاً: القمع الدموي من الاحتلال ومحاولاته لإخماد الثورة بالقوة.
بعد أن اتسعت رقعة الثورة وأصبحت مصر كلها تغلي بالغضب، لم يجد
الاحتلال البريطاني أمامه سوى استخدام العنف المفرط في محاولة يائسة لإخماد جذوة
الانتفاضة. وهنا يرسم الشيخ عبد الوهاب النجار في مذكراته صورة حزينة لكنها
واقعية، تكشف وحشية المستعمر وإصرار الشعب على المقاومة مهما كانت التضحيات.
يصف النجار كيف امتلأت الشوارع بالجنود المدججين بالسلاح، وكيف تحولت
الميادين إلى ساحات مواجهة مفتوحة. الرصاص كان ينهال على المتظاهرين العُزّل بلا
رحمة، لتسقط جثث الشهداء واحدًا تلو الآخر. كل سقوط لم يكن مجرد فقدان لروح بريئة،
بل كان وقودًا جديدًا يزيد الثورة اشتعالًا، ويؤكد أن الدماء لن تذهب سدى.
في بعض الصفحات، يتحدث الشيخ بمرارة عن المجازر التي ارتكبها الاحتلال
في القرى، حين كان الجنود يقتحمون المنازل، يحرقون الحقول، ويفرضون العقوبات
الجماعية على الأهالي عقابًا لهم على تأييد الثورة. ومع ذلك، لم تنكسر إرادة
الفلاحين، بل كانوا يزدادون صلابة، وكأن الاحتلال نفسه كان يصنع من كل جريمة
يرتكبها سببًا جديدًا لاستمرار الغضب الشعبي.
أحد أكثر المشاهد المؤثرة التي يسجلها النجار هو مشهد النساء اللواتي
خرجن وهن يحملن الأكفان البيضاء على أكتافهن، في إشارة إلى استعدادهن للتضحية
بحياتهن. هذه الرمزية القوية أرعبت الاحتلال، لأنها أظهرت أن الموت لم يعد يُخيف
أحدًا، وأن المصريين كانوا على استعداد لدفع الثمن مهما كان غاليًا.
النجار لا يكتفي بسرد مشاهد القمع، بل يحلل أثرها على نفسية الناس،
مؤكدًا أن القوة الغاشمة فشلت في كسر الروح الوطنية. فبدلًا من أن
يخاف الناس، زادت جرأتهم، وبدلًا من أن يتفرقوا، ازدادوا تماسكًا. لقد فهم
الاحتلال متأخرًا أن مواجهة ثورة شعبية شاملة ليست كقمع مظاهرة محدودة.
إن هذا المحور من المذكرات يوضح بجلاء أن ثورة 1919 لم تكن نزهة، بل
كانت معركة حقيقية دُفِع فيها ثمن باهظ من الدماء والتضحيات. لكنه أيضًا يبين أن
كل رصاصة أطلقها الاحتلال كانت في النهاية تصنع وعيًا جديدًا، وتُرسّخ في ذاكرة
المصريين أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.
رابعاً: الدور التاريخي للمرأة المصرية في الثورة وكيف كسرت جدار
الصمت لأول مرة.
عندما اندلعت ثورة 1919، لم يتوقع أحد أن تكون المرأة المصرية هي
المفاجأة الكبرى. فقد عاشت النساء طويلًا في ظلال الحياة العامة، محصورات في أدوار
تقليدية تقتصر على البيت والأسرة. لكن مع اتساع الثورة وتحولها إلى قضية وطنية
جامعة، كسرت المرأة المصرية القيود، وخرجت لأول مرة إلى الشوارع لتشارك الرجال في
الكفاح، معلنة أن الحرية لا تكتمل إلا بمشاركتها.
النجار يصف هذا المشهد بانبهار، وكأنه كان يرى ميلادًا جديدًا للمرأة
المصرية. فقد خرجت السيدات في مواكب منظمة، بعضهن من الطبقات الثرية مثل صفية
زغلول (أم المصريين) ورفيقاتها، وبعضهن من الطبقات الشعبية. لم يكن حضورهن رمزيًا،
بل كان فعليًا وصاخبًا، إذ حملن الأعلام، وهتفن بالحرية، وتقدمن الصفوف رغم
المخاطر.
ويذكر الشيخ كيف أن نساءً كثيرات سقطن ضحايا لرصاص الاحتلال، في مشاهد
أدمعت القلوب لكنها زادت الثورة اشتعالًا. فاستشهاد النساء كان رسالة واضحة: إن
هذه الثورة لم تعد ملكًا للرجال وحدهم، بل أصبحت مسؤولية مشتركة يشارك فيها الجميع
بلا استثناء.
الأكثر إثارة أن خروج النساء لم يقتصر على المظاهرات، بل تعداه إلى
تنظيم حملات الدعم والإغاثة. فقد أسهمن في جمع التبرعات، وإيواء المصابين،
وتوفير الطعام للمضربين والمتظاهرين. لقد تحولت المرأة إلى عنصر فعال في النسيج
الثوري، ليس فقط كشريكة، بل كقائدة ميدانية أيضًا.
والأهم من ذلك أن هذا الظهور العلني كان له أثر طويل المدى، يتجاوز
ثورة 1919 نفسها. إذ يرى النجار أن الثورة فتحت الباب أمام مشاركة المرأة في
الحياة العامة والسياسية، ورسّخت فكرة أن لها صوتًا يجب أن يُسمع، ودورًا لا يمكن
تجاهله. لقد تحولت المرأة من "متفرجة صامتة" إلى "فاعل رئيسي في
صناعة التاريخ".
لقد رسم الشيخ عبد الوهاب النجار في هذا المحور لوحة رائعة تُظهر كيف
أن ثورة 1919 لم تكن مجرد مواجهة مع الاحتلال، بل كانت أيضًا ثورة على التقاليد
المقيدة، وبداية ميلاد جديد للمجتمع المصري، حيث أصبح للمرأة مكانتها في مسيرة
التحرر الوطني.
خامساً: مكر الاحتلال البريطاني ومحاولاته للالتفاف على مطالب
المصريين بعد فشل القمع المباشر.
بعد أن جُرّبت القوة الغاشمة، وفشل الرصاص والسجون والمشانق في كسر
إرادة الشعب، بدأ الاحتلال البريطاني يلجأ إلى سياسة المكر والخداع. وهنا
يرصد الشيخ عبد الوهاب النجار بدهاء شديد كيف انتقلت المواجهة من ساحة الدم إلى
ساحة السياسة، دون أن يتغير جوهر الهدف: إخماد الثورة بأي وسيلة.
الاحتلال أدرك أن المصريين أصبحوا جسدًا واحدًا، وأن استمرار القمع
المباشر سيزيد الأمور اشتعالًا، فبدأ يلوّح بفكرة الإصلاحات الجزئية، محاولًا
امتصاص غضب الشارع. وعدوا بفتح باب الحوار، وتقديم بعض التنازلات الشكلية، لكن
النجار يكشف أن تلك الوعود لم تكن سوى فخ سياسي يهدف إلى شق صفوف الثوار، ودق
إسفين بين المعتدلين والمتشددين.
ويشير الشيخ إلى أن البريطانيين ركزوا على استهداف النخبة، حيث سعوا
إلى استمالة بعض الزعامات السياسية بالوعود والمناصب، على أمل أن ينقسم الصف
الوطني. لكن المدهش أن الثورة كانت قد خلقت وعيًا شعبيًا واسعًا، فلم تعد القضية
ملكًا للنخبة وحدها، بل ملكًا للشعب كله. ولذلك لم تفلح هذه السياسة بالقدر الذي
كان يتوقعه الاحتلال.
كما يصف النجار كيف كان الإنجليز يحاولون اللعب على وتر الانقسام
الديني والاجتماعي مجددًا، عبر بث الشائعات ومحاولة زرع الفتنة بين المسلمين
والأقباط. لكن مرة أخرى، فاجأهم المشهد نفسه: الناس يهتفون في الشوارع "الدين
لله والوطن للجميع"، رافضين الوقوع في هذا الفخ القديم.
هذا المحور في مذكرات النجار يكشف أن الاحتلال لم يكن يفتقد الذكاء
السياسي، لكنه افتقد القدرة على فهم روح الشعب المصري. فالمصري الذي
قد يُخدع في ظروف عادية، لم يعد قابلًا للتلاعب بعد أن ذاق طعم الوحدة والكرامة في
الثورة.
ويرى النجار أن هذه المرحلة كانت أخطر من القمع نفسه، لأنها مثلت
اختبارًا حقيقيًا لمدى صلابة الحركة الوطنية. فلو نجح الاحتلال في شق الصف، لربما
تلاشت الثورة دون أثر. لكن وعي الشعب وتماسكه حوّل محاولات المكر إلى سلاح مرتد
على الإنجليز أنفسهم، وأكد أن الثورة لم تعد مجرد هبّة غضب، بل مشروع تحرر ناضج
يملك حصانة ضد الخداع.
سادساً: المحاكمات العسكرية والسجون التي استخدمها الاحتلال كأداة
لترهيب الشعب ومحاولة إخماد الثورة.
بعد أن فشل القمع المباشر والمكر السياسي، لجأ الاحتلال البريطاني إلى
وسيلة أخرى لا تقل قسوة: المحاكمات العسكرية. كان الهدف منها
ليس فقط معاقبة الثوار، بل إرهاب الشعب بأكمله. فقد حُوِّلت
المحاكم إلى مسرح للرعب، حيث تُصدر الأحكام مسبقًا، ويجلس القضاة الإنجليز بلا
حياد، فيما تُسلَب من المتهمين أبسط حقوق الدفاع.
النجار يرسم صورة مؤلمة لتلك الجلسات: شباب في مقتبل العمر، وفلاحون
بسطاء، وطلاب لم يحملوا سوى صوتهم وكرامتهم، يقفون مكبلي الأيدي أمام قضاة
الاحتلال، ليُحكم عليهم بالأشغال الشاقة أو بالإعدام وكأنهم مجرمون خطرون. لم تكن
التهم أكثر من المطالبة بالحرية، أو رفع لافتة، أو المشاركة في مظاهرة.
أما السجون، فقد وصفها الشيخ بأنها مقابر للأحياء. كانت
الظروف غير إنسانية؛ الزنازين ضيقة، والطعام شحيح، والمعاملة قاسية إلى حد
الإذلال. ومع ذلك، فإن المفارقة الكبرى هي أن السجن لم يُضعف عزيمة المعتقلين، بل
جعلهم أكثر إصرارًا. ففي الزنازين اجتمع الوطنيون وتبادلوا الأفكار، وحوّلوا
السجون إلى مدارس ثورية تصنع رجالًا أكثر وعيًا وصلابة.
يتوقف النجار طويلًا عند الأثر النفسي لهذه المحاكمات على الشعب. فقد
كان الاحتلال يظن أن الناس سيتراجعون خوفًا من الاعتقال أو الإعدام، لكن ما حدث هو
العكس تمامًا.
كلما صدر حكم جائر، ازداد الغضب الشعبي اشتعالًا،
وتحول المحكوم عليهم إلى رموز وأبطال تتغنى بهم الجموع.
وفي مشاهد مؤثرة يسجلها، يصف الشيخ كيف كان الأهالي يحتشدون خارج
السجون والمحاكم، يهتفون بأسماء المعتقلين ويرفعون صورهم، وكأنهم يعلنون أن السجن
لا يعزل أحدًا عن الوطن، بل يرفعه إلى مرتبة البطولة.
إن المحور السادس يوضح بجلاء أن الاحتلال أخطأ التقدير مرة أخرى. فقد
ظن أن السجون ستحطم الروح الوطنية، لكنها في الواقع حوّلت الثورة إلى فكرة لا
تُسجن ولا تُعدم. لقد أصبح كل شهيد أو معتقل رمزًا يلهب خيال
الناس، ويؤكد أن الحرية أغلى من الحياة.
سابعاً: المفاوضات التي حاول الاحتلال البريطاني أن يجعلها بديلاً عن
الثورة الشعبية المشتعلة.
بعد أن استنفد الاحتلال كل وسائله من قمع ومكر وسجون، وجد نفسه مضطرًا
للانتقال إلى ساحة جديدة: المفاوضات السياسية. كان الهدف
الظاهر هو البحث عن حل ينهي الاضطرابات، لكن الهدف الخفي كان واضحًا للنجار: تفريغ
الثورة من مضمونها وتحويلها من حراك شعبي ملتهب إلى عملية تفاوضية باردة يمكن
السيطرة عليها.
في هذه المرحلة، برزت شخصيات وطنية للواجهة، مثل سعد زغلول
ورفاقه في الوفد المصري. لقد كان الشعب يرى فيهم صوت الأمة، وتجسيدًا لمطالبه
بالاستقلال والحرية. غير أن الاحتلال حاول التعامل مع المفاوضات كوسيلة لإضاعة
الوقت، وإيهام العالم الخارجي بأن البريطانيين يستجيبون لمطالب المصريين بينما
كانوا في الحقيقة يناورون.
النجار يوضح أن أخطر ما في تلك المفاوضات أنها فتحت الباب أمام الخلافات
الداخلية.
فبينما كان الوفد يقاتل في ميدان السياسة، كان الشعب يريد نتائج
ملموسة على الأرض. وبدأت بعض الأصوات تتساءل: هل يمكن أن نثق بوعود الإنجليز بعد
كل الدماء التي سالت؟
ويصف الشيخ هذه المرحلة بأنها لحظة اختبار حقيقية للثورة. فإذا كانت
السجون قد صنعت الأبطال، فإن المفاوضات صنعت الشكوك. فقد أدرك الشعب أن الإنجليز
لا يتفاوضون بصدق، وإنما يحاولون كسب الوقت وتخفيف الضغط الدولي، بانتظار أن تخمد
نار الثورة من الداخل.
لكن المدهش أن هذه المفاوضات لم تضعف الحراك الشعبي بالقدر الذي كان
يأمله الاحتلال. بل إن استمرارها بلا نتائج ملموسة جعل الناس أكثر اقتناعًا بأن
الحرية لن تأتي عبر الجلوس على طاولة مفاوضات، بل عبر الضغط الشعبي المستمر.
النجار يسجل مشاهد مؤثرة عن كيف كان الناس يتابعون أخبار الوفد بشغف،
ثم يخرجون إلى الشوارع إذا شعروا أن الإنجليز يناورون. كانت المظاهرات أشبه برسالة
مزدوجة: دعم للوفد الوطني من ناحية، وتحذير للاحتلال من ناحية أخرى أن الشعب لم
ولن يتنازل.
إن المحور السابع يُظهر بجلاء أن المفاوضات لم تكن مجرد وسيلة لحل
الأزمة، بل كانت ساحة جديدة من ساحات الصراع. وقد أثبت الشعب المصري خلالها وعيًا
سياسيًا لافتًا، إذ أدرك أن الاحتلال قد يبتسم على طاولة التفاوض، لكنه لا يترك
قبضته عن الأرض إلا تحت الضغط المتواصل.
ثامناً: التحولات الفكرية والاجتماعية العميقة التي أحدثتها ثورة 1919
في وعي المصريين.
قبل الثورة، كان المصري البسيط يعيش في ظل شعور بالعجز أمام قوة
الاحتلال، وكأن الإنجليز قوة لا تُقهر. كانت الفجوة شاسعة بين النخبة المثقفة
والجماهير، وبين الريف والمدن، وبين المسلمين والأقباط. لكن مع اندلاع الثورة،
تغيّر المشهد جذريًا. فقد كسرت الثورة الحواجز وأعادت صياغة الوعي الجمعي للأمة.
يصف النجار هذا التحول وكأنه ميلاد جديد للمصريين. فقد بدأ الفلاح في
القرية يشعر أنه ليس مجرد عامل في أرض تحت سيطرة الإنجليز، بل مواطن له حق في
الحرية والكرامة. والطالب الذي كان يقرأ عن الثورات في كتب
التاريخ، أصبح هو نفسه جزءًا من ثورة حقيقية يعيشها بكل تفاصيلها. حتى المرأة،
التي كانت تُستبعد من الحياة العامة في كثير من الأحيان، خرجت إلى الشارع تهتف،
وتشارك في المظاهرات، وتحمل رسالة النضال على كتفها.
واحدة من أعظم نتائج الثورة – كما يسجلها النجار – هي أن الوحدة
الوطنية تحولت من شعار إلى واقع معاش. لم يعد
المصريون يتحدثون فقط عن التعاون بين المسلمين والأقباط، بل جسّدوه في الشوارع
والميادين. كان القس يسير بجوار الشيخ، والهتافات تخرج من حناجر الجميع بلا تمييز،
وكأن الثورة قد صهرتهم جميعًا في بوتقة واحدة اسمها "الوطن".
كذلك يلفت النجار الانتباه إلى التغير في علاقة الشعب بالزعامات. فلم
يعد الناس ينتظرون القادة ليقودوهم فقط، بل أصبحوا شركاء في صناعة القرار، يضغطون
على الوفد الوطني ليستمر في الكفاح، ويذكّرون الزعماء بأن الشرعية الحقيقية مستمدة
من الشارع. هذه الروح الشعبية الجديدة منحت مصر تجربة سياسية غير مسبوقة، إذ تعلّم
الناس أن السياسة ليست حكرًا على الصفوة، بل مسؤولية جماعية.
ومن أبرز التحولات الفكرية أيضًا، ظهور الوعي بدور التعليم
والثقافة.
فقد أدرك المصريون أن الاحتلال لم يكن يسيطر بالسلاح وحده، بل بالجهل
والتبعية. ولذلك أصبحت المدارس والجامعات ساحات للمقاومة، لا تقتصر على الدروس، بل
تتحول إلى منابر للحرية وتربية أجيال تؤمن بالكرامة والاستقلال.
النجار يرى أن هذه التحولات لم تكن أقل أهمية من أي انتصار عسكري.
فالحرية تبدأ من العقل والوجدان، والثورة أعادت للمصريين الثقة في أنفسهم، وأثبتت
لهم أن المستحيل ليس سوى وهم. لقد خرج الشعب من التجربة وهو يدرك أن الاستعمار ليس
قدرًا محتومًا، وأن الكرامة حق أصيل لا يُنتزع إلا بالنضال.
تاسعاً: النتائج الكبرى لثورة 1919
والدروس المستفادة منها للأجيال اللاحقة.
بعد سنوات من الغليان الشعبي، والمظاهرات، والقمع الدموي، والمفاوضات
المتعثرة، خرجت مصر من ثورة 1919 وهي ليست كما دخلتها. صحيح أن
الاحتلال لم يرحل مباشرة، لكن المعادلة تغيّرت تمامًا، فقد ولدت مصر جديدة، أكثر
وعيًا وصلابة، وأكثر قدرة على الدفاع عن حقها في الحرية.
أول هذه النتائج كان الاستقلال الجزئي، الذي تُوج بدستور 1923
وتأسيس أول برلمان منتخب. قد لا يكون الاستقلال كاملاً، لكنه كان خطوة تاريخية
فتحت الباب أمام جيل جديد من العمل السياسي والوطني. وبالنسبة للنجار، فإن الدستور
لم يكن مجرد وثيقة، بل كان اعترافًا بحق الشعب في أن يحكم نفسه ولو جزئيًا، وهو ما
كان يُعد مستحيلاً قبل الثورة.
أما النتيجة الثانية، فهي ترسيخ الوحدة الوطنية كقيمة مركزية
في وجدان المصريين. لقد أثبتت الثورة أن المصريين قادرون على تجاوز الفوارق
الدينية والاجتماعية عندما يتعلق الأمر بالوطن. وقد صار شعار "الدين لله
والوطن للجميع" أكثر من مجرد عبارة؛ بل تحوّل إلى واقع عايشه الناس في
الشوارع والمظاهرات.
النتيجة الثالثة التي يبرزها النجار هي إعادة تشكيل العلاقة بين
الشعب والسلطة. فقبل الثورة، كان الحاكم أداة للاحتلال أو تابعًا
له، أما بعدها، فقد أصبح لشرعية الشارع وزن لا يمكن تجاهله. لقد أدرك الإنجليز،
كما أدرك الحكام المصريون أنفسهم، أن الأمة قد استيقظت، وأنها لن تقبل العودة إلى
سباتها القديم.
ومن بين الدروس المهمة التي يستخلصها النجار أن الحرية لا تُمنح بل
تُنتزع.
فالثورة لم تنجح لأنها اعتمدت على وعود الاحتلال أو حسن نواياه، بل
لأنها قامت على تضحيات الناس وإصرارهم على التغيير. كما أن الثورة كشفت أن الاستعمار
يتقن المراوغة والمفاوضات الفارغة، وأن الضمانة الوحيدة لتحقيق المطالب هي
استمرار الضغط الشعبي.
الدرس الآخر البارز هو أن كل فئة من المجتمع لها دورها في التحرر: الفلاح،
الطالب، العامل، المرأة، المثقف، وحتى الأطفال الذين كانوا يشاركون في المظاهرات.
هذا الإدراك جعل الثورة شاملة، ومنحها قوتها التي أربكت الاحتلال؛ ويؤكد الشيخ في
ختام مذكراته أن ثورة 1919 لم تكن مجرد حدث سياسي، بل كانت بداية نهضة وطنية
أطلقت طاقات المجتمع المصري، وغيّرت نظرته لنفسه وللعالم. صحيح أن الاحتلال استمر
عقودًا بعد ذلك، لكن جذوة الحرية التي اشتعلت في تلك الأيام الحمراء ظلت وقودًا
لكل نضال لاحق، وصولًا إلى ثورة 1952 وما بعدها.
لقد كانت ثورة 1919 بمثابة الانفجار الأول للوعي المصري الحديث،
ومن خلالها تعلّم الشعب أن القوة الحقيقية تكمن في وحدته، وأن الكرامة الوطنية لا
يمكن أن تُشترى أو تُستبدل، بل تُنتزع بالتضحيات.
الخاتمة:
حين نغلق صفحات هذا الكتاب، لا نشعر أننا أنهينا مجرد مذكرات عن أحداث
مضت، بل كأننا خرجنا من مدرسة حيّة، نتعلم منها الدروس ونستشعر نبض أمة كاملة وهي
تصرخ في وجه الظلم. لقد كانت ثورة 1919 لحظة فاصلة في التاريخ المصري، لحظة خرج
فيها البسطاء قبل المثقفين، والنساء قبل الرجال، والطلاب قبل الساسة، ليعلنوا
جميعًا أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحرية لا يمكن أن تُهدى من محتل، بل تُنتزع
بعرق الجباه ودماء الشهداء.
من خلال صفحات الأيام الحمراء، جعلنا الشيخ عبد الوهاب النجار شهودًا
على تلك اللحظات الملتهبة: على الحشود التي ملأت الشوارع، على دموع الأمهات وهن
يودعن أبناءهن، على هتاف الوحدة الوطنية الذي دوّى من كل مسجد وكنيسة. لكنه أيضًا
لم يكتف بسرد الأحداث، بل منحنا رؤية أعمق: أن الثورة لم تكن مجرد معركة ضد
الاحتلال، بل كانت أيضًا ثورة ضد الخوف، ضد الاستسلام، وضد العجز.
إن أعظم ما تركته ثورة 1919 ليس فقط الدستور أو الاستقلال الجزئي، بل الوعي
الجمعي الذي ترسخ في وجدان المصريين، ذلك الوعي بأنهم قادرون على التغيير إذا
اجتمعوا على كلمة واحدة. وهذا الدرس ما زال حيًا حتى اليوم، يذكّرنا أن التاريخ
يعيد نفسه، وأن الشعوب التي تعرف طريق الحرية لا يمكن أن تُهزم.
فـ الأيام الحمراء ليست مجرد كتاب في الذاكرة الوطنية، بل هو صرخة حية
تعيد إحياء جذوة النضال في قلوبنا. هو رسالة إلى الأجيال القادمة بأن ما تحقق كان
بفضل التضحيات، وبأن الحفاظ على الحرية والكرامة يتطلب نفس الروح التي ملأت ميادين
1919.
تعليقات
إرسال تعليق