القائمة الرئيسية

الصفحات

ملخص كتاب منهجية السير إلى الله للدكتورة كفاح أبو هنود: دليل التزكية والتعافي من الفتور | لب الكتاب

 في زحامِ الحياةِ المعاصرةِ وضجيجِ المادِّيَّاتِ التي تحاصرنا من كلِّ جانبٍ، يشعرُ الإنسانُ أحياناً بظمأٍ شديدٍ في روحهِ، وجوعٍ لا تسدهُ ملذاتُ الأرضِ. نركضُ خلفَ السرابِ، نجمعُ المقتنياتِ، ونحققُ الإنجازاتِ الرقميَّةَ والعمليَّةَ، ولكنْ يبقى هناكَ سؤالٌ يلحُّ في عمقِ الوجدانِ: أينَ هو السلامُ الداخليُّ الحقيقيُّ؟ وكيفَ نخرجُ من تيهِ الغفلةِ إلى رحابِ السَّكِينةِ؟

في هذه الحلقةِ الجديدةِ والمميَّزةِ من قناة "لُبِّ الكِتَابِ"، سنبحرُ معاً في أعماقِ واحةٍ إيمانيَّةٍ وفكريَّةٍ استثنائيَّةٍ؛ كِتَابِ "مَنْهَجِيَّةِ السَّيْرِ إِلَى اللهِ" للكاتبةِ والباحثةِ القديرةِ الدكتورة كِفَاح أَبُو هَنُود. هذا العملُ ليسَ مجردَ كِتَابِ رقائقَ تقليديٍّ أو وعظٍ عابرٍ، بل هو "دليلٌ هندسيٌّ للروحِ"، يمزجُ بينَ عمقِ الوحيِ القرآنيِّ وفهمِ السيرةِ النبويَّةِ، وبينَ التحليلِ النفسيِّ والواقعيِّ لمتطلباتِ العصرِ. تأخذنا الدكتورة كِفَاح في رِحْلَةٍ تكسرُ الصُّوَرَ النَّمَطِيَّةَ عن العبادةِ؛ لتقدمَ لنا مَعَالِمَ واضحةً وخريطةَ طريقٍ عَمَلِيَّةً لكلِّ من يطمحُ أنْ يسلكَ طريقَ المقرَّبينَ، ويهاجرَ بقلبهِ إلى خالقهِ.

أصدقائي وعشاقَ التزكيةِ والبيانِ، يا منْ تبحثونَ عنْ إشراقةِ النُّورِ في زوايا نفوسكمْ، قبلَ أنْ نشرعَ في تشريحِ فصولِ هذا الدليلِ الروحيِّ العظيمِ، اضغطوا الآنَ على زرِّ الإعجابِ ليدومَ انتشارُ هذا المحتوى الإيمانيِّ الراقي، واشتركوا في قناة "لُبِّ الكِتَابِ" مع تفعيلِ جرسِ التنبيهاتِ لتكونوا أولَ منْ يستخلصُ جَوْهَرَ ومِسْكَ الأفكارِ البشريَّةِ والروحيةِ. جهزوا قلوبكمْ قبلَ أقلامكمْ، ولننطلقْ معاً في السَّيْرِ!

 


المحور الأول: بَعْثُ اليَقَظَةِ.. زِلْزَالُ الوَعْيِ وَتَفْكِيكُ رَانِ الغَفْلَةِ المعاصرةِ

تنطلقُ الدكتورة كِفَاح أبو هنود في منهجِها من المحطَّةِ الأولى والأساسيَّةِ في السَّيْرِ، وهي محطَّةُ "اليقظةِ". وترى الكاتبةُ أنَّ العائقَ الأكبرَ والجاذبيَّةَ الأخطرَ التي تحرمُ إنسانَ العصرِ الحاليِّ من تذوقِ حلاوةِ الإيمانِ والقُرْبِ، لَيْسَتْ بالضرورةِ كثرةَ الذنوبِ الكبيرةِ الـمُعْلَنَةِ، بل هو "الرَّانُ"؛ ذلكَ الغلافُ الكثيفُ والبليدُ من الغفلةِ والاعتيادِ الذي يحيطُ بالقلبِ نتيجةَ الانغماسِ التامِّ في المادِّيَّاتِ، والركضِ الـمَارَاثُونِيِّ الـمُسْتَمِرِّ خلفَ تفاصيلِ الحياةِ الـمَعِيشِيَّةِ والوظيفيَّةِ.

إنَّ الكاتبةَ تضعُ يدَها على عمقِ الأزمةِ الإنسانيَّةِ؛ فالإنسانُ اليومَ يعيشُ حالةً من "النومِ الروحيِّ السَّيَّارِ"؛ فهو يتحركُ، وينتجُ، ويأكلُ، ويحقِّقُ قفزاتٍ عمليَّةً، ويتابعُ الشاشاتِ والـمِنَصَّاتِ بتركيزٍ عالٍ، ولكنَّ روحَهُ وباطنَهُ يعيشانِ في غيبوبةٍ كاملةٍ عاريةٍ عن الغايةِ الحقيقيَّةِ من هذا الوجودِ. هذا الاعتيادُ والتطبيعُ معَ المادِّيَّةِ يجعلُ من العباداتِ والصلواتِ مجردَ طقوسٍ حركيَّةٍ جافةٍ، تُؤَدَّى بآليَّةٍ باردةٍ دونَ أنْ تُحْدِثَ أيَّ أثرٍ في تزكيةِ النفسِ أو تهذيبِ السلوكِ.

وتوضحُ المؤلفةُ أنَّ بَعْثَ اليقظةِ وانقشاعَ هذا الرَّانِ لا يحدثُ بالتدريجِ البطيءِ أو بالتمني المستسلمِ، بل يبدأُ غالباً بـ "زلزالِ وعيٍ داخليٍّ صاعقٍ"؛ وقفةِ محاسبةٍ شجاعةٍ ومفاجئةٍ يختلي فيها السالكُ بنفسِهِ بكلِّ عُرْيٍ وصِدْقٍ، ليتساءلَ عن حقيقةِ مآلِهِ ومصيرِهِ، وكيفَ تتبددُ ساعاتُ عُمْرِهِ الثمينةِ هباءً منثوراً في فخاخِ المشتتاتِ. التدبيرُ العمليُّ الصارمُ الذي يفرضُهُ الكِتَابُ في هذه المرحلةِ يتطلبُ إحداثَ "انفصالٍ واعٍ ومُخَطَّطٍ" وصدمةٍ حقيقيَّةٍ لكسرِ الروتينِ القاتلِ؛ عبرَ تقليصِ التواجدِ الرقميِّ، والابتعادِ عن فُضُولِ الكلامِ والخلطةِ، والهروبِ من الضجيجِ الـمُسْتَمِرِّ الذي يَحْرِمُ العقلَ من فُرْصَةِ التأملِ.

اليقظةُ في رِحْلَةِ السَّيْرِ تشبهُ تماماً إشعالَ قنديلٍ نُورَانِيٍّ في سردابٍ غارقٍ بالظلامِ؛ فورَ اشتعالِ الشعلةِ الأولى، يبدأُ الإنسانُ برؤيةِ حقيقةِ باطنِهِ، فيكشفُ عيوبَ نفسِهِ، ويُبْصِرُ حجمَ تقصيرِهِ، وتولدُ لديهِ رغبةٌ جبارةٌ وطاقةٌ روحيَّةٌ لشدِّ الرحالِ نحو اللهِ بالتوبةِ النصوحِ، مستشعراً قِصَرَ العُمْرِ وعَظَمَةَ الـمَطْلُوبِ. إنَّ هذا المحورَ يؤسسُ لحقيقةِ أنَّ أولَ خُطْوَةٍ لإصلاحِ الباطنِ وحمايةِ جُهْدِ العمرِ من التشتتِ والضياعِ، تبدأُ من استردادِ "الوعيِ المفقودِ" والتوقفِ فوراً عن الاستسلامِ لتيَّارِ الغفلةِ الجارفِ.

 

المحور الثاني: هَنْدَسَةُ المَقَاصِدِ.. حُرِّيَّةُ الإِخْلَاصِ وَتَطْهِيرُ مَنَاحِي القَصْدِ

في هذا المحورِ، تغوصُ بنا الكاتبةُ في عمقِ "محرابِ النِّيَّةِ"، لتؤصِّلَ لمفهومٍ بَالِغِ الأهميةِ والعمقِ في رحلةِ التزكيةِ المعاصرةِ، وهو "هندسةُ المقاصدِ". تذكرُ الدكتورة كِفَاح أنَّ السَّيْرَ إلى اللهِ لا يُقاسُ أبداً بظواهرِ الأعمالِ، أو بكثرةِ الحركاتِ الميكانيكيَّةِ الجافةِ، ولا برصِّ الركعاتِ الجوفاءِ دونَ حضورٍ، بل بمدى خلوصِ القصدِ وتطهيرِ الدوافعِ الخفيَّةِ المستترةِ في طوايا النفوسِ وراءَ كلِّ فعلٍ وحركةٍ. وتفتحُ الكاتبةُ هنا ملفاً غايةً في الحساسيَّةِ؛ إذ تحذرُ بقوةٍ من "الشركِ الخفيِّ" والآفاتِ الدقيقةِ التي تتسللُ إلى قلوبِ العاملينَ والصالحينَ دونَ أنْ يشعروا، مثلَ شهوةِ طلبِ ثناءِ الناسِ، أو الالتفاتِ إلى مدحِهم، أو البحثِ عن التقديرِ والوجاهةِ المجتمعيَّةِ. بل إنَّها تذهبُ إلى أبعدَ من ذلكَ حينَ تحذرُ من فخِّ طَلَبِ "الراحةِ النفسيَّةِ المجرَّدةِ" من العبادةِ؛ بحيثُ يصبحُ العملُ وسيلةً لتسكينِ الضميرِ فقط، بدلاً من أنْ يكونَ عبوديَّةً محضةً وخضوعاً مطلقاً لوجهِ اللهِ سبحانهُ.

وترى المؤلفةُ أنَّ الإخلاصَ لَيْسَ حالةً ساكنةً أو رتبةً يُعثَرُ عليها مرَّةً واحدةً في العمرِ فتنتهي المجاهدةُ، بل هو عمليَّةُ "هندسةٍ يوميَّةٍ ومراقبةٍ صارمةٍ" لخطراتِ النفسِ وتوجيهٍ مستمرٍّ للبوصلةِ كلَّما انحرفتْ بها عواصفُ الهوى. السالكُ الذكيُّ في منهجِ الكاتبةِ هو الذي يُجيدُ تفكيكَ عاداتهِ العاديَّةِ ببراعةٍ؛ فيحولُ تفاصيلَ حياتهِ اليوميَّةِ—من السعيِ في طلبِ الرزقِ، وإتقانِ الوظيفةِ، ورعايةِ الأبناءِ، وحتَّى جُهْدِ التأليفِ وصناعةِ المحتوى وجدولةِ المشاريعِ الرقميَّةِ الطويلةِ لتعملَ في غيابهِ—إلى قُرُباتٍ كبرى وعباداتٍ ممتدَّةِ الأثرِ، وذلكَ من خلالِ ربطِها بِغاياتِ الأُمَّةِ وإحياءِ نِيَّةِ النفعِ العامِّ وإعمارِ الأرضِ.

هذا التحررُ الجذريُّ من عبوديَّةِ النَّظَرِ إلى الخَلْقِ، يمنحُ المؤمنَ حريَّةً داخليَّةً مطلقةً صلابةً نفسيَّةً هائلةً في مواجهةِ تقلباتِ الواقعِ؛ فالسائرُ على هذا المنهجِ لا ينكسرُ أو يتوقفُ عن عطائهِ وصناعتهِ للأثرِ إنْ قَلَّ الثناءُ وتلاشتْ الأضواءُ من حولهِ، كما أنَّهُ لا يَغْتَرُّ أو يصيبهُ الكبرُ والزهوُ إنْ تضاعفَ الإعجابُ والتفَّ الناسُ حولَ نتاجهِ المعرفيِّ؛ لأنَّهُ يدركَ يقيناً أنَّ مِيزانَ القَبولِ الحقيقيِّ يُهندَسُ في الباطنِ لا في ظواهرِ المادِّيَّاتِ.

 

المحور الثالث: مَعَالِمُ الطَّرِيقِ.. التَّوَازُنُ النَّفْسِيُّ وَالِاسْتْرَاتِيجِيُّ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالخَوْفِ وَالمَحَبَّةِ

تنتقلُ بنا الدكتورة كِفَاح أبو هنود في هذا المحورِ إلى صياغةِ "التوازنِ الاستراتيجيِّ الدقيقِ" لمشاعِرِ القلبِ ومحركَّاتِهِ الأساسيَّةِ أثناءَ السَّيْرِ إِلَى اللهِ. وتستندُ الكاتبةُ هنا إلى التشبيهِ التراثيِّ العميقِ لقلبِ السالكِ بالطائرِ الـمُحَلِّقِ في سماءِ القُرْبِ والوصولِ؛ فرأسُ هذا الطائرِ وقائدهُ الموجِّهُ هو "المحبةُ"، وجناحاهُ اللذانِ يحفظانِ توازنهُ ويمنعانهِ من السقوطِ هما "الخوفُ" و"الرجاءُ". وتؤكدُ المؤلفةُ أنَّ عظمةَ المنهجيَّةِ الإيمانيَّةِ تكمنُ في إبقاءِ هذا التوازنِ حياً؛ لأنَّ أيَّ ميلٍ أو خللٍ في أحدِ الأجنحةِ سيؤدي حتماً إلى سقوطِ الطائرِ وانحرافِ السَّيْرِ بالكاملِ.

وتفصِّلُ الكاتبةُ في عواقبِ اختلالِ هذا الميزانِ القلبيِّ؛ فإذا غلبَ جانبُ "الرجاءِ" والمغفرةِ وحسنِ الظنِّ دونَ وعيٍ بصيرٍ بالمسؤوليَّةِ، وقعَ السالكُ في فخِّ "الأَمْنِ من مَكْرِ اللهِ"، والجرأةِ المستترةِ على ارتكابِ الذنوبِ والتهاونِ في الواجباتِ، اتكالاً على سعةِ رحمةِ الخالقِ. وعلى النقيضِ تماماً، إذا غلبَ جانبُ "الخوفِ" وحدهُ وتضخمتْ مشاعرُ الرَّهْبَةِ، سقطَ القلبُ في ظلماتِ اليأسِ والقنوطِ، وشعرَ العبدُ بالعجزِ وانعدامِ الجدوى، مما يدعوهُ في النهايةِ إلى هجرِ العملِ والانسحابِ من طريقِ العبادةِ.

العبقريةُ العمليَّةُ في هذا المنهجِ تتجلى في كيفيةِ تدريبِ النفسِ على الجمعِ والدمجِ الذكيِّ بينَ الرَّغَبِ والرَّهَبِ؛ فيكونُ الخوفُ سوطاً حازماً يسجرُ النفسَ ويمنعها من الهوى والانفلاتِ عندَ حضورِ الشهواتِ، ويكونُ الرجاءُ حادياً رفيقاً يقودها ويحفزها على الاستمرارِ في العملِ الصالحِ عندَ ورودِ الفتورِ أو انقطاعِ الطاقةِ والإنهاكِ. بينما تظلُّ "المحبةُ" هي المحركُ الأكبرُ والأجملُ؛ وهي التي تُحيلُ التكليفَ والعباداتِ من مجردِ التزاماتٍ وواجباتٍ شاقَّةٍ، إلى قرَّةِ عينٍ، ورِحْلَةِ شَوْقٍ وعشقٍ روحيٍّ خالصٍ، يستعذبُ فيهِ السالكُ المشقةَ في سبيلِ رضا المَولَى سبحانهُ.

 

المحور الرابع: عُقَبَاتُ العَقَبَةِ.. عِلَلُ النَّفْسِ وَتَكْتِيكَاتُ التَّغَلُّبِ عَلَى الفُتُورِ وَالصَّوَارِفِ

لا تخفي علينا المؤلفةُ في كِتَابِها طَبِيعَةَ العَقَبَاتِ الشَّاقَّةِ التي تكتنفُ طريقَ السَّيْرِ؛ فالعالمُ من حولنا مليءٌ بالصوارفِ والمغرياتِ والمشتتاتِ، والنفسُ البشريَّةُ بطبيعتها مجبولةٌ على الشَّهْوَةِ والراحةِ والهروبِ من الالتزاماتِ الطويلةِ. يفردُ الكِتَابُ مَسَاحَةً مُمَيَّزَةً وعميقةً لتحليلِ واحدةٍ من أخطرِ العواصفِ الروحيَّةِ التي تصيبُ السالكينَ، وهي ظاهرةُ "الفُتُورِ الروحيِّ والإنهاكِ النفسيِّ"؛ حيثُ يتعاملُ معَ الفتورِ ليسَ كخطيئةٍ تستوجبُ الطردَ، بل كمرحلةٍ طبيعيَّةٍ وفترةِ استراحةٍ إجباريةٍ قد تمرُّ بها النفسُ بعدَ إجهادٍ متراكمٍ، ولكنَّ الخطورةَ الحقيقيَّةَ تكمنُ في الاستسلامِ التامِّ لهذا الفتورِ أو تحولهِ إلى انتكاسةٍ تقتلعُ العبدَ من جذورهِ.

وتقدمُ الدكتورة كِفَاح ترسانةً من التكتيكاتِ والوصايا العمليَّةِ الذكيَّةِ لاصطيادِ عِلَلِ النفسِ وهزيمةِ الصوارفِ اليوميَّةِ؛ ومن أهمِّها: اعتمادُ "سياسةِ الخطواتِ الصغيرةِ والمستدامةِ" في العباداتِ وبناءِ الوعيِ، تطبيقاً للمنهجِ النَّبَوِيِّ الشريفِ في قولهِ ﷺ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». هذه السياسةُ تحمي السالكِ من الاندفاعِ العاطفيِّ المؤقتِ الذي ينتهي بالاحتراقِ والانقطاعِ الشاملِ. كما تشددُ الكاتبةُ على ضرورةِ الانتقاءِ الصارمِ لـ "البيئةِ الحاضنةِ" والصحبةِ الصالحةِ التي تعملُ كجهازِ تنبيهٍ روحيٍّ؛ تذكِّرُ السالكِ إنْ نَسِيَ وتأخذُ بيدهِ إنْ فَتَرَ.

السالكُ المحترفُ في منهجِ الكاتبةِ يتعلمُ كيفَ يتعاملُ معَ عثراتهِ وذنوبهِ الفجائيَّةِ كإشاراتِ تحذيرٍ لإصلاحِ باطنهِ وفحصِ منافذِ قلبهِ، فلا يسقطُ في فخِّ اليأسِ، بل يجعلُ من تلكَ الهزيمةِ الـمُؤَقَّتَةِ سُلَّماً لإعادةِ المعايرةِ، والصعودِ من جديدٍ بقوةٍ أكبرَ متسلحاً بذلِّ الانكسارِ والاستغفارِ بينَ يديِ المَوْلَى سبحانهُ.

 

المحور الخامس: ثَمَرَاتُ المَعْرِجِ.. فِقْهُ القُرْبِ وَالِاتِّصَالِ وَالأَثَرُ المُتَعَدِّي فِي بِنَاءِ الأُمَّةِ

ينتهي بنا التحليلُ المنهجيُّ في المحورِ الأخيرِ إلى الغاياتِ العظمى والثمراتِ الجليَّةِ للسَّيْرِ إِلَى اللهِ، حيثُ يرفضُ الكِتَابُ بقوةٍ وصرامةٍ فكرةَ "الزهدِ السلبيِّ العاجزِ" أو الانعزالِ التامِّ في الصوامعِ والمحاريبِ وهجرِ قضايا الواقعِ والأُمَّةِ بحجَّةِ التزكيةِ الفرديَّةِ وخلاصِ النفسِ. ويرسخُ العملُ لقاعدةٍ شرعيَّةٍ وروحانيَّةٍ ذهبيَّةٍ: الثمرةُ الحقيقيَّةُ للقُرْبِ من اللهِ والاتصالِ بنورهِ يجبُ حتماً أنْ تفيضَ بالخيرِ والنفعِ على الخَلْقِ، وأنْ تتحولَ طاقةُ التزكيةِ الباطنيَّةِ إلى وقودٍ دافعٍ للإعمارِ، والبناءِ، ونشرِ الوعيِ، والإصلاحِ الحقيقيِّ في الأرضِ.

وتوضحُ الدكتورة كِفَاح أنَّ السالكَ الصادقَ هو كالغيثِ أينما وقعَ نَفَعَ؛ تظهرُ ثمراتُ معرجهِ الروحيِّ واتصالهِ بالخالقِ في حسنِ خلقهِ، وعلوِّ همتهِ، وإتقانهِ البالغِ لعملهِ، وسعيهِ النَّمُوذَجِيِّ لصناعةِ الأثرِ المستدامِ في المجتمعِ. إنَّ التزكيةَ الحقيقيَّةَ في هذا المنهجِ هي التي تصنعُ إنساناً صلباً راسخاً في وجهِ الفتنِ والمشتتاتِ، مبادراً في ميادينِ النفعِ العامِّ، يستغلُّ فكرهُ، وقلمهُ، وقناتهُ، وعملَ يدهِ ليساهمَ في إعادةِ بناءِ الهُوِيَّةِ المفقودةِ وسدِّ ثغورِ الأُمَّةِ. وبذلكَ، يتحولُ السَّيْرُ من مجردِ رِحْلَةِ نجاةٍ شخصيَّةٍ ضيِّقَةٍ، إلى رِحْلَةِ نَهْضَةٍ جَمَاعِيَّةٍ كبرى تصنعُ التغييرَ وتتركُ بصمةً حقيقيَّةً في أمةِ الإسلامِ.

 

الخاتمة: عَقْدُ الصِّلَةِ وَمِيثَاقُ الثَّبَاتِ

في ختامِ هذه الجولةِ النُّورانيَّةِ الممتعةِ معَ كِتَابِ "مَنْهَجِيَّةِ السَّيْرِ إِلَى اللهِ" للدكتورة كِفَاح أَبُو هَنُود، ندركُ يقيناً أنَّ الرِّحْلَةَ إلى اللهِ هي أعظمُ وأجملُ سَفَرٍ يمكنُ أنْ يخوضهُ الإنسانُ في حياتهِ. إنَّها الصنعةُ الروحيَّةُ التي تعيدُ صياغةَ قلبكَ ليكونَ مستقراً للسَّكِينةِ، وحصناً منيعاً أمامَ عواصفِ القلقِ والشتاتِ المعاصرِ.

إنَّ إتقانَ هذه المنهجيَّةِ والالتزامَ بمَعَالِمِها هو المحركُ الجبارُ الذي يمنحُ أعمالنا ومشاريعنا ومنصاتنا الرقميَّةَ بركةً وعمقاً وقيمةً حقيقيَّةً تستعصي على الفناءِ. فالدقةُ في إصلاحِ الباطنِ تنعكسُ بهاءً وإتقاناً في الظاهرِ، وتجعلُ كلَّ جُهْدٍ تبذلهُ في حياتِكَ صناعةً للأثرِ المستدامِ الذي يصنعُ الفارقَ في الدنيا والآخرةِ. تذكرْ دائماً أنَّ السَّيْرَ إِلَى اللهِ يبدأُ بخطوةِ صِدْقٍ واحدةٍ، وأنَّ الخالقَ سبحانهُ سيكافئُ إقبالَكَ عليهِ بأضعافِ القُرْبِ والودِّ والنُّورِ.

إلى هنا نكونُ قد استخلصنا لُبَّ هذا الدليلِ الروحيِّ والمنهجيِّ الشاملِ الذي ينيرُ طَرِيقَ السالكينَ. والآنَ جاءَ دوركمْ أصدقائي وعائلتي الرقميَّةَ المتميِّزةَ، شاركونا في التعليقاتِ بكلِّ صِدْقٍ: ما هي أكبرُ عَقَبَةٍ أو صَارِفٍ تشعرونَ أنَّهُ يستنزفُ يقظتكمْ الروحيَّةَ في هذا العصرِ السريعِ؟ وكيفَ تحاولونَ التغلبَ على فتراتِ الفُتُورِ لضمانِ الثباتِ على الطريقِ؟

إذا منحتكمْ هذه الحلقةُ إشراقةَ وعيٍ ونظرةً أعمقَ لجمالِ التزكيةِ ومنهجيَّةِ القُرْبِ، فلا تبخلوا علينا بدعمكمْ الراقي والمستمرِّ؛ اضغطوا الآنَ على زرِّ الإعجابِ، واشتركوا في قناة "لُبِّ الكِتَابِ" مع تفعيلِ جرسِ التنبيهاتِ لتصلكمْ خلاصاتُ وعيونُ الكتبِ الفكريَّةِ والروحيَّةِ العالميةِ أولاً بأولٍ. شاركوا هذا الفيديو معَ منْ تحبونَ لتكونوا شركاءَ في رِحْلَةِ السَّيْرِ ونشرِ الخيرِ. نلتقي الأسبوعَ المقبلَ معَ كِتَابٍ جديدٍ، وَلُبٍّ جديدٍ.. دمتمْ في مَعِيَّةِ اللهِ وحفظهِ ورعايتهِ، والسلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات