المقعد البرتقالي.. حيث تخلع الأرواح أقنعتها
تبدأ الدكتورة ماجي الشافعي كتابها بمدخل شعوري مهيب، يتجاوز كونه
مجرد وصف لعيادة نفسية ليصبح توصيفاً لـ "محراب المواجهة". بأسلوب
مسترسل يقطر صدقاً، تضعنا الدكتورة أمام ذلك "المقعد البرتقالي"؛
هذا اللون الذي لم يأتِ بمحض الصدفة، فهو لون يجمع بين حرارة الصدمة ودفء
الاحتواء. توضح الدكتورة أن هذا المقعد هو الشاهد الصامت على أثمن ما يملكه
الإنسان: "حقيقته العارية". في الخارج، نحن جميعاً ممثلون
بارعون؛ نرتدي أقنعة القوة، والتماسك، والنجاح الزائف، لكن بمجرد أن يلامس جسد
المتعب ذلك القماش البرتقالي، يبدأ جدار الزيف في التصدع.
تسترسل المقدمة في شرح مفهوم "غرفة العلاج" باعتبارها
المساحة الوحيدة في هذا العالم التي يُسمح لك فيها بأن تكون "هشاً" دون
خوف من إدانة، و"ضائعاً" دون قلق من سخرية. تخبرنا الدكتورة ماجي أن
"المقعد" رأى أبطالاً في نظر المجتمع يرتجفون كالأطفال، ورأى أشخاصاً
"عاديين" يحملون في صدورهم جبالاً من الصمود. الفكرة الجوهرية التي
تبثها في روع القارئ منذ السطور الأولى هي أن الألم ليس عاراً، بل هو اللغة
المشتركة بيننا جميعاً. هي لا تقدم نفسها كطبيبة تملك "عصا سحرية"، بل
كـ "رفيقة رحلة" تجلس في المقابل، تحاول معك فك شفرات الحزن الذي استوطن
ملامحك.
يمتد الاسترسال في المقدمة ليلامس فلسفة "الجلوس" ذاتها؛
فالقرار بالجلوس على المقعد البرتقالي هو في حد ذاته "فعل ثوري". إنه
اعتراف ضمني بأن "أنا لست بخير، وهذا حقي". توضح الدكتورة أن الكتاب ليس
مجرد سرد لقصص الآخرين، بل هو دعوة لك أنت، القارئ، لتتخيل نفسك جالساً هناك. هي
تكسر حاجز الخوف من "المرض النفسي" وتستبدله بمفهوم "الترميم
الإنساني". المقدمة هنا تعمل كـ "جسر آمن"؛ تأخذ بيدك من ضجيج
العالم وأحكامه القاسية، لتضعك في حضرة نفسك، وتخبرك بلهجة مطمئنة: "تحدث..
اصرخ.. ابكِ.. فالمقعد البرتقالي يتسع لكل ما تخفيه، والرحلة التي سنبدأها الآن هي
رحلة البحث عن (أنت) الحقيقي الذي ضاع في زحام التوقعات".
إنها مقدمة لا تمهد لكتاب، بل تمهد لولادة جديدة، مؤكدة أن أصعب خطوة هي
تلك التي نخطوها نحو المقعد، لكنها أيضاً الخطوة الوحيدة التي ستعيد لنا حريتنا
المسلوبة تحت وطأة التظاهر بالكمال.
والآن.. تخيل أن هذا المقعد أمامك الآن، وأن الدكتورة ماجي تنتظر منك أن
تبدأ الكلام.. ما هي الكلمة الأولى التي تود أن تخرج من صدرك وتضعها فوق هذا
المقعد؟ تابعونا في المحور الأول من (لُب الكتاب)، لنكتشف معاً أول وحش
سنواجهه على هذا المقعد: "فخ المثالية". اشترك الآن، ولا تدع
هذه الرحلة تفوتك!
المحور الأول: "فخ المثالية"... حين يصبح "الكمال"
سيفاً على رقابنا.
على ذلك المقعد البرتقالي، تكتشف الدكتورة ماجي الشافعي أن خلف معظم
الانهيارات النفسية والاحتراق الداخلي يسكن وحشٌ واحد يُدعى "المثالية".
بأسلوب مسترسل وعميق، تشرح لنا كيف أننا تحولنا في العصر الحديث إلى
"ماكينات" تسعى للكمال في كل شيء؛ في العمل، في الأمومة، في المظهر،
وحتى في علاقتنا بالله. توضح الدكتورة أن المثالية ليست سَعياً نحو الجودة كما
نظن، بل هي في جوهرها "درعٌ مثقوب" نرتديه خوفاً من أن يرى الناس عيوبنا
فينتقدونا أو يرفضونا. نحن لا نحاول أن نكون رائعين لأننا نحب الروعة، بل لأننا
نرتعب من فكرة كوننا "عاديين".
تسترسل الدكتورة ماجي في تشريح هذا الفخ، مؤكدة أن "المثالي" هو
الشخص الأكثر قسوة على نفسه في هذا العالم. هو يملك صوتاً داخلياً (جلاداً) لا
يتوقف عن جلده عند كل سقطة بسيطة. يصور لنا (لُب الكتاب) كيف أن هؤلاء الذين
يجلسون على المقعد البرتقالي يعانون من "عسر هضم إنساني"؛ فهم لا يقبلون
بشريتهم، ولا يسمحون لأنفسهم بالخطأ، مما يجعل حياتهم عبارة عن سلسلة من التوقعات
المستحيلة التي تنتهي دائماً بالشعور بالذنب والتقصير. تخبرنا الدكتورة بوضوح:
"إن السعي وراء الكمال هو الطريق الأقصر للشعور بالعجز"، لأن الكمال لله
وحده، ومحاولة الإنسان لبلوغه هي معركة خاسرة تستنزف الروح والجسد.
المذهل في هذا المحور هو كيف تربط الدكتورة بين المثالية وبين "الزيف
الاجتماعي". نحن نقضي ساعات في تلميع "واجهاتنا" على منصات التواصل
الاجتماعي، ونريد أن نبدو كأصحاب حياة وردية لا تشوبها شائبة، لكننا خلف الأبواب
المغلقة – وفوق المقعد البرتقالي تحديداً – ننهار من ثقل هذا التمثيل. تدعونا
الدكتورة بلهجة حانية ومباشرة إلى استبدال "المثالية" بـ
"القبول"؛ قبول أننا قد نفشل، وقد نغضب، وقد لا نكون الأفضل في الغرفة،
وهذا لا يقلل من قيمتنا ذرة واحدة.
تختم الدكتورة شرح هذا المحور بدرس بليغ: "المقعد البرتقالي وُجد
لأولئك الذين تعبوا من التظاهر". إن الشفاء يبدأ عندما نلقي بهذا الدرع
الثقيل، ونسمح لأنفسنا بأن نكون "حقيقيين" لا "كاملين".
فالجمال الحقيقي ليس في اللوحة التي بلا خدوش، بل في تلك التي تحكي قصة صمودها رغم
كل الخدوش والندوب التي مرت بها.
المحور الثاني: سجون "الماضي".. كيف نكسر القيد الذي لا نراه؟
على ذلك المقعد البرتقالي، لا تحضر أجساد المراجعين وحدها، بل يحضر معهم
"أطفالهم القدامى" الذين لم يبرأوا بعد. بأسلوب مسترسل يمزج بين التحليل
النفسي العميق والدفء الإنساني، توضح الدكتورة ماجي الشافعي أن معظم صراعاتنا
الحالية هي في الحقيقة "صدى" لحروبٍ قديمة خضناها في طفولتنا. نحن لا
نعيش حاضرنا بوعيٍ كامل، بل نعيشه من خلال "نظارات" ملونة صنعها لنا
الآخرون في الماضي؛ كلمة جارحة من معلم، إهمال غير مقصود من أب، أو مقارنة قاسية
من أم. هذه المواقف لم تمر بسلام، بل تحولت إلى "سجون غير مرئية" نسجن
فيها أنفسنا اليوم، ونعاقب فيها أرواحنا على ذنبٍ لم نقترفه.
تسترسل الدكتورة في شرح مفهوم "التروما" أو الصدمات المختبئة تحت
جلودنا. هي تخبرنا بأن العقل البشري لا ينسى الألم، بل "يؤرشفه"؛ وعندما
نتعرض لموقف مشابه في الحاضر، يخرج العقل ذلك الملف القديم ليدير ردود أفعالنا.
يصور لنا (لُب الكتاب) كيف أن الشخص الذي يبالغ في الغضب أو يفرط في الحزن، هو في
الغالب لا يتفاعل مع اللحظة الحالية، بل يصرخ في وجه شخصٍ من ماضيه لم يستطع
مواجهته آنذاك. المقعد البرتقالي هنا يعمل كآلة زمن، تعيدنا لتلك اللحظات لا لنبكي
عليها، بل لنفككها، ونفهم أننا لم نعد أولئك الأطفال الضعفاء، وأن مفتاح السجن كان
دائماً في أيدينا، لكننا كنا نخشى استخدامه.
تؤكد الدكتورة ماجي بلهجة مليئة باليقين أن "الوعي بالماضي" هو
أولى خطوات التحرر منه. هي لا تدعونا للبحث عن شمّاعة نلقي عليها لوم فشلنا، بل
تدعونا لـ "فهم" القصة الكاملة. عندما نفهم لماذا نكرر نفس الأخطاء في
علاقاتنا، ولماذا نهرب من النجاح، أو لماذا نشعر دائماً بالدونية، نبدأ حينها في
سحب السلطة من يد الماضي. يوضح الكتاب أن التصالح مع الماضي لا يعني نسيانه، بل
يعني "تجريده من سلاحه"؛ بحيث يصبح مجرد صفحة في كتابنا، لا العنوان
الذي يحدد من نحن. إنها دعوة لأن نتوقف عن كوننا ضحايا لظروفنا القديمة، ونبدأ في
لعب دور "الناجين" الذين يملكون القوة لترميم ما انكسر، وبناء ذواتهم من
جديد فوق أسسٍ من اختيارهم هم، لا من فرض الآخرين عليهم.
المحور الثالث: "الحدود الشخصية".. كيف تضع السور دون أن تبني
سجناً؟
على ذلك المقعد البرتقالي، تكتشف الدكتورة ماجي الشافعي أن أنيناً مكتوماً
يصدر من قلوب الكثيرين، ليس بسبب كارثة كبرى، بل بسبب "استباحة"
مساحاتهم الخاصة. بأسلوب مسترسل يضع النقاط على الحروف، توضح الدكتورة أن غياب
الحدود الشخصية هو الثقب الأسود الذي يبتلع طاقتنا النفسية. نحن نعيش في ثقافة
تربينا فيها على أن "العطاء بلا حدود" هو قمة الأخلاق، وأن كلمة
"لا" هي مرادف للأنانية أو قلة الذوق. لكن (لُب الكتاب) يكشف لنا
الحقيقة المرة: من لا يملك حدوداً، لا يملك ذاتاً؛ فبدون سور يحمي أرضك النفسية،
ستصبح مشاعرك ووقتك وحتى قراراتك مشاعاً للآخرين، تنهبها توقعاتهم وتستنزفها
مطالبهم التي لا تنتهي.
تسترسل الدكتورة ماجي في شرح أن "الحدود" ليست جدرانًا لعزلنا عن
الناس، بل هي "بوابات" تنظم دخولهم وخروجهم. هي تشبه الحدود النفسية
بالجلد الذي يحمي جسد الإنسان؛ إذا تمزق هذا الجلد، أصبح الجسد عرضة لكل
الميكروبات. يصور لنا الكتاب كيف أن الأشخاص الذين يجدون صعوبة في قول
"لا" ينتهي بهم الأمر فوق المقعد البرتقالي وهم محملون بـ "الغل
المكتوم" (Resentment)؛ فهم
يوافقون ظاهرياً بينما تغلي قلوبهم من الداخل لأنهم يُحملون فوق طاقتهم. تخبرنا
الدكتورة بلهجة حازمة أن التضحية التي تؤدي إلى تدمير الذات ليست فضيلة، بل هي نوع
من الانتحار البطيء الذي يسلبنا القدرة على العطاء الحقيقي الصافي.
المغزى الأعمق الذي تغوص فيه الدكتورة هو أن وضع الحدود هو في الحقيقة
"فعل حب" لنفسك وللآخرين أيضاً. فعندما ترسم حدودك بوضوح، أنت تعلم
الناس كيف يتعاملون معك بما يحفظ كرامتك وسلامك. تعلمك الدكتورة من فوق مقعدها
البرتقالي أن قول "لا" لأمر يستنزفك هو في الحقيقة قول "نعم"
لصحتك النفسية، ولعلاقات أكثر نضجاً واستدامة. إن رسم الحدود يتطلب شجاعة مواجهة
"خوفنا من الرفض"، وإدراك أن من يغضب من وضعك للحدود هو غالباً الشخص
الذي كان يستفيد من غيابها. في النهاية، استعادة سيادتك على مساحتك الشخصية هي
الخطوة التي تحولك من "ضحية للظروف" إلى "سيد لقرارك"، مما
يمنحك السكينة التي تحتاجها لتبدأ رحلة التعافي الحقيقية.
المحور الرابع: "المشاعر الممنوعة".. كيف نفك شفرة الغضب والحسد
والضعف؟
على ذلك المقعد البرتقالي، تقتحم الدكتورة ماجي الشافعي منطقة شائكة يهرب
منها الجميع؛ إنها منطقة "المشاعر المظلمة" التي اعتدنا على قمعها أو
إنكارها. بأسلوب مسترسل يفيض بالشجاعة، توضح الدكتورة أننا نشأنا في مجتمعات تُقدس
"الثبات الزائف" وتعتبر مشاعر مثل الغضب، أو الحسد، أو الشعور بالضعف،
سقطات أخلاقية يجب إخفاؤها. لكن (لُب الكتاب) يخبرنا بحقيقة فسيولوجية ونفسية
مذهلة: المشاعر لا
تموت بالكبت، بل تُدفن حية لتظهر لاحقاً في شكل قرح معدة، أو نوبات قلق، أو
انفجارات غضب غير مبررة.
الدكتورة ماجي تدعونا من فوق مقعدها ألا نكون "قضاة" على
مشاعرنا، بل أن نكون "مستكشفين" لها؛ فكل شعور "ممنوع" يحمل
في طياته رسالة مشفرة عن احتياج لم يُلبّ بعد.
تسترسل الدكتورة في تشريح هذه الرسائل؛ فالحسد مثلاً ليس شراً مطلقاً في
بدايته، بل هو "مؤشر" يخبرك بأن هناك شيئاً تفتقده بشدة وتتمناه لنفسك،
وبدلاً من كبته والخجل منه، يمكنك استخدامه كبوصلة لمعرفة طموحاتك الحقيقية.
والغضب ليس مجرد نوبة جنون، بل هو "جهاز إنذار" يصرخ بأن هناك من اعتدى
على حدودك أو ظلمك. يصور لنا الكتاب كيف أن التصالح مع "الضعف" هو قمة
القوة؛ فالمقعد البرتقالي شهد لحظات تحول مذهلة فقط عندما سمح الشخص لنفسه بأن
يقول: "أنا خائف" أو "أنا محطم". تخبرنا الدكتورة أن محاولة
الظهور بمظهر المتماسك دائماً هي سجن كبير، وأن الشفاء يبدأ فقط عندما نعطي هذه
المشاعر "حق الوجود" ونسمح لها بالمرور عبرنا بدلاً من أن تستوطن فينا.
المغزى الأعمق هنا هو أن "الصدق
النفسي"
هو أقصر طريق للسلام. تعلمك الدكتورة ماجي أن المشاعر ليست
"نحن"، بل هي "أحوال" نمر بها؛ فأن تشعر بالغضب لا يعني أنك
شخص سيئ، وأن تشعر بالضعف لا يعني أنك فاشل. من خلال المقعد البرتقالي، نكتشف أن
احتضان "الجانب المظلم" من مشاعرنا وفهمه بدلاً من محاربته هو ما يجعلنا
بشراً متكاملين. إنها دعوة للتوقف عن الهروب من أنفسنا، والبدء في الاستماع بإنصات
لما تحاول أرواحنا قوله عبر تلك المشاعر المزعجة. عندما نتوقف عن "منع"
مشاعرنا، نكتشف أنها تفقد قوتها التدميرية وتتحول إلى طاقة وعي تساعدنا على ترميم
علاقتنا بذواتنا وبالعالم من حولنا.
المحور الخامس: رحلة "الاستحقاق".. حين تكتشف أنك
"تكفي" دون شروط.
على ذلك المقعد البرتقالي، تضع الدكتورة ماجي الشافعي يدها على الجرح
الأكثر عمقاً ونزفاً لدى الكثيرين:
"أزمة الاستحقاق".
بأسلوب مسترسل يلمس أعمق نقاط الضعف الإنساني، توضح الدكتورة أننا نعيش في
دوامة من "التسول العاطفي"؛ فنحن نربط قيمتنا الشخصية بما نفعله، لا بما
نحن عليه. يصور لنا (لُب الكتاب) كيف أن الكثيرين يقضون
حياتهم في سباق محموم لإثبات أنهم "يستحقون" الحب أو التقدير، سواء من
خلال النجاح المادي، أو التضحية المفرطة، أو حتى تغيير جلودهم ليرضوا الآخرين.
تخبرنا الدكتورة بأسى أن المقعد البرتقالي استقبل عقولاً فذة وقلوباً نقية، لكنها
كانت تعيش في فقر مدقع من تقدير الذات، لأنها لم تسمع يوماً من داخلها كلمة:
"أنا أستحق لأنني إنسان، وكفى".
تسترسل الدكتورة ماجي في شرح كيف أن "الاستحقاق المزيف" هو فخ
كبير؛ فهو يجعلنا نصدق أننا سنكون ذوي قيمة "فقط إذا" حصلنا على تلك
الوظيفة، أو "فقط إذا" أحبنا ذلك الشخص، أو "فقط إذا" وصلنا
للوزن المثالي. هذا الربط الشرطي يجعل قيمتنا مهتزة دائماً بمتغيرات الخارج. يوضح
الكتاب أن الشفاء الحقيقي يبدأ عندما يبدأ الشخص الجالس على المقعد في "فك
الارتباط" بين قيمته وبين إنجازاته أو آراء الناس فيه. تخبرنا الدكتورة بلهجة
حانية أن شعور الاستحقاق هو "حق ولادة"، وليس "مكافأة نهاية
خدمة"؛ فأنت لم تُخلق لتثبت للعالم أنك جدير بالبقاء، بل خُلقت ومعك قيمتك
الكاملة التي لا ينقص منها خطأ، ولا يزيد فيها مديح.
المغزى الأعمق الذي يتوسع فيه هذا المحور هو أن "حب الذات"
ليس رفاهية أو أنانية، بل هو ضرورة للبقاء النفسي. تعلمك الدكتورة ماجي أن
الشخص الذي لا يشعر بالاستحقاق يتحول إلى "مغناطيس" للعلاقات السامة
والمسيئة، لأنه يعتقد سراً أنه لا يستحق أفضل من ذلك. من فوق مقعدها البرتقالي،
تأخذ بيدك لتبني "صورة ذهنية" جديدة لنفسك؛ صورة تعتمد على الرحمة
بالذات بدلاً من جلدها، وعلى الامتنان لنقاط قوتك بدلاً من التركيز المرضي على
عيوبك. إنها دعوة للتوقف عن طلب "إذن" من الآخرين لتكون سعيداً، والبدء
في استعادة قيمتك من أيدي العابرين ووضعها في مكانها الصحيح: "داخل قلبك
وأمام عينيك"، مؤمنة بأنك مهما حدث، ومهما انكسرت، تظل دائماً "إنساناً
يكفي ويستحق"
المحور السادس: "التعافي" ليس محطة وصول.. بل هو طريقة للمشي.
على ذلك المقعد البرتقالي، يطرح المراجعون دائماً السؤال القلق: "متى
سأنتهي من هذا الألم تماماً؟". وبأسلوب مسترسل يجمع بين الواقعية والأمل،
تجيب الدكتورة ماجي الشافعي بأن التعافي ليس خطاً مستقيماً ينتهي بانتصار ساحق، بل
هو "رحلة دائرية" تشبه فصول السنة. يوضح (لُب الكتاب) أن أكبر خطأ
نرتكبه في حق أنفسنا هو اعتقادنا أن الشفاء يعني اختفاء الندوب أو التوقف عن
السقوط للأبد. تخبرنا الدكتورة أن التعافي الحقيقي هو أن "تسقط بشكل
أفضل"؛ أي أن تملك من الوعي ما يجعلك تنهض أسرع في كل مرة، وتتعامل مع عثراتك
برحمة بدلاً من القسوة التي كنت تمارسها على نفسك قبل الجلوس على هذا المقعد.
تسترسل الدكتورة ماجي في شرح مفهوم "الانتكاسة الواعية". هي توضح
أن عودة بعض المشاعر القديمة أو المخاوف لا تعني فشل رحلتك، بل هي اختبار لمدى نضج
أدواتك الجديدة. يصور لنا الكتاب التعافي كعملية "ترميم مستمر" لبيت
قديم؛ نحن لا نهدم البيت لنبني غيره، بل نقوي جدرانه، ونسد ثقوبه، ونتعلم كيف
نتعايش مع شقوقه التي تحكي قصتنا. تخبرنا الدكتورة بلهجة مطمئنة أن "الكمال
في التعافي" هو فخ آخر من فخاخ المثالية؛ فالإنسان المعافى ليس هو الذي لا
يتألم، بل هو الذي يعرف كيف يدير ألمه، وكيف يطلب المساعدة حين يحتاجها، وكيف يغفر
لنفسه بشريتها وضعفها.
المغزى الأعمق في ختام هذه المحاور هو أن "المقعد البرتقالي" ليس
مكاناً للاحتماء من الحياة، بل هو معمل لتجهيزك لخوض غمارها بوعيٍ أكبر. تعلمك
الدكتورة ماجي أن الرحلة لا تنتهي بمجرد مغادرة العيادة، بل تبدأ فعلياً حين تحمل
تلك "الاستبصارات" وتطبقها في علاقاتك، وعملك، وخلوتك مع نفسك. التعافي
هو أن تختار في كل يوم، وبوعيٍ كامل، أن تكون صديقاً لنفسك لا عدواً لها. إنها
دعوة لقبول "عدم الاكتمال" كجزء من جمال الرحلة، وإدراك أن كل خطوة
تخطوها نحو فهم ذاتك هي انتصار، مهما كانت صغيرة، وأن الأهم من سرعة الوصول هو
"صدق الوجهة" والقدرة على مواصلة المسير بقلبٍ يرى في الجروح منافذ
للنور.
الخاتمة: حين تغادر المقعد.. لتبدأ الحياة الحقيقية.
تصل الدكتورة ماجي الشافعي في نهاية كتابها إلى اللحظة الأكثر
حساسية، وهي لحظة "الوداع". بأسلوب مسترسل يفيض بالحب والمسؤولية،
تخبرنا أن الغرض من المقعد البرتقالي لم يكن أبداً أن نعتاد الجلوس عليه،
بل أن نستجمع شتات أنفسنا لنقوم عنه ونواجه العالم بوجوهنا الحقيقية. يوضح (لُب الكتاب) أن الرحلة النفسية ليست "رفاهية"
أو مجرد جلسات للفضفضة، بل هي عملية "إعادة تأهيل" للروح لتتمكن من
التنفس في هواء الواقع المليء بالتحديات. تخبرنا الدكتورة أنك حين تغادر هذا
المقعد، لن تجد العالم قد تغير سحرياً، لكنك ستجد "عينيك" هما اللتان
تغيرتا؛ فالمواقف التي كانت تكسرك بالأمس، ستجد اليوم في نفسك قدرة على امتصاص
صدمتها، والأصوات التي كانت تحبطك، ستجد في داخلك صوتاً أقوى يرفض تصديقها.
تسترسل الخاتمة في ترسيخ فكرة "الأمان
الداخلي". تؤكد الدكتورة ماجي أن
أعظم مكسب تخرج به من هذه الصفحات ليس "الحلول الجاهزة"، بل هو ذلك
"المقعد البرتقالي الصغير" الذي بنيته الآن داخل قلبك؛ تلك المساحة التي
تستطيع أن تلجأ إليها كلما ضاقت بك السبل، لتسمع صوتك الداخلي بوضوح، ولتعامل نفسك
بذات الرحمة التي كانت تعاملك بها غُرفة العلاج. يصور لنا الكتاب الختام كأنه
"عقد جديد" تبرمه مع نفسك: عقد قوامه الصدق، وبنده الأساسي أنك لست
مجبراً على إبهار أحد، وأن قيمتك نابعة من كونك إنساناً يحاول، ويخطئ، ويتعلم،
وينمو.
المغزى النهائي الذي تود الدكتورة تركه في وجداننا هو أن "الشفاء ممكن"، وأن التغيير ليس مستحيلاً مهما كان الماضي ثقيلاً. تخبرنا بلهجة توديعية دافئة أن القصص التي قرأناها في الكتاب ليست قصص الغرباء، بل هي مرايا تعكس أجزاء منا جميعاً. وفي اللحظة التي تغلق فيها الغلاف، تطلب منك ألا تغلق قلبك؛ بل احمل معك دروس "الحدود"، و"الاستحقاق"، و"قبول النقص"، واجعلها رصيدك في معركة الحياة. إنها نهاية لا توحي بالانقطاع، بل بالاتصال الأعمق مع الذات؛ فالمقعد البرتقالي قد يبقى في العيادة، لكن "الوعي" الذي وُلد فوقه سيظل رفيق دربك في كل خطوة تخطوها نحو مستقبل تختار فيه أن تكون أنت.. وبكل فخر.
تعليقات
إرسال تعليق