حينَ نُبحرُ في أغوارِ النفسِ البشرية، نجدُ أنَّ ثَمَّةَ عالماً يضجُّ بالتفاصيلِ الدقيقة، عالمٌ يجمعُ بينَ رهافةِ الحِسِّ وصَلابةِ الصمود؛ إنَّهُ عالَمُ المرأة. يقولُ الدكتورُ محمد المهدي في كتابه "الصحةُ النفسيةُ للمرأة": إنَّ المرأةَ ليستْ مجردَ نصفِ المجتمعِ إحصائياً، بل هيَ القلبُ النابضُ الذي يضخُّ الاستقرارَ في شريانِ المجتمعِ بأسره؛ فإذا اعتَلَّ هذا القلبُ، وهنَ الجسدُ كله.
إنَّ الحديثَ عن الصحةِ النفسيةِ للمرأةِ ليسَ ترفاً فكرياً أو انحيازاً
جندرياً، بل هوَ ضرورةٌ وجودية. فالمرأةُ تقفُ تاريخياً عندَ نقطةِ التقاءِ
العواصف؛ فهيَ التي تُطالَبُ بأن تكونَ الأمَّ الحانية، والزوجةَ السَّكَن،
والابنةَ البارة، والعاملةَ المنجزة، وهيَ في سعيِها هذا، تحملُ عبئاً بيولوجياً
ونفسياً لا يهدأ، بدءاً من تقلباتِ الهرموناتِ التي ترسمُ فصولَ حياتِها، وصولاً
إلى ضغوطِ المجتمعِ التي تضعُها دائماً تحتَ مِجهرِ الأحكامِ القاسية.
في هذا الكتاب، يخلعُ الدكتور محمد المهدي رداءَ الطبيبِ التقليدي ليتقمصَ
دورَ الحكيمِ الذي يقرأُ ما وراءَ الصمتِ المكتوم. هوَ لا يتحدثُ عن الأمراضِ
كقوائمَ سريرية، بل يتحدثُ عن "الأنثى" ككيانٍ يحتاجُ أن يُفهمَ قبلَ أن
يُعالج. يفككُ لنا كيفَ تتحولُ التغيراتُ الجسديةُ إلى ندوبٍ نفسيةٍ إذا لم
تُحتوَ، وكيفَ يمكنُ للمجتمعِ أن يكونَ إما مَشفىً يداوي جراحَ المرأة، أو سِجناً
يضاعفُ من اغترابِها. نحنُ هنا أمامَ كشفٍ جليٍّ لآلامِ الاكتئاب، وخفايا القلق،
وصراعاتِ الهوية التي تخوضُها المرأةُ في صمت، لنصلَ في النهايةِ إلى حقيقةٍ
واحدة: أنَّ صحةَ المرأةِ النفسيةَ هيَ الخطُّ الدفاعيُّ الأولُ عن إنسانيتِنا.
المحور الأول: سيكولوجية الأنوثة.. ما وراء التكوين والتمكين.
في هذا المحور، يشرع الدكتور محمد المهدي في رسم خارطة الروح الأنثوية،
منطلقاً من تساؤلٍ فلسفي قديم ومتجدد: هل الأنثى لغزٌ عصيُّ على الفهم، أم أننا لم
نمتلك الأدوات الصحيحة لقراءتها؟ يرى المهدي أن سيكولوجية المرأة ليست مجرد
"نسخة" من سيكولوجية الرجل مع بعض التعديلات، بل هي بناءٌ قائم بذاته،
له قوانينه الخاصة وتوازناته الدقيقة. الأنوثة في جوهرها هي "طاقة
احتواء" وعطاء فطري، لكن هذه الطاقة ليست ساكنة، بل هي في حالة تدفق دائم،
تتأثر بعوامل بيولوجية واجتماعية تتداخل بشكل معقد لتشكل ملامح الشخصية.
وينساب التحليل ليوضح أن المرأة تعيش في "صراع بين دورين"؛ دورها
البيولوجي كواهبة للحياة ومصدر للحنان، ودورها كإنسان يسعى للتحقق والتمكين في
مجتمع قد لا يرحم ضعفها أو يتفهم خصوصيتها. يفكك الكتاب هنا الأساطير التي حاصرت
المرأة لقرون، تلك التي اختزلتها في كونها كائناً عاطفياً يفتقر للمنطق، ليثبت
المهدي أن "عاطفة المرأة" ليست ضعفاً، بل هي "ذكاءٌ وجداني"
متطور، وقدرة فريدة على قراءة التفاصيل الإنسانية التي قد يغفل عنها الرجل. إن هذا
التكوين النفسي هو الذي يجعل المرأة أكثر قدرة على تحمل الآلام الوجودية، لكنه في
الوقت ذاته يجعلها أكثر حساسية تجاه "الاغتراب النفسي" إذا ما أُجبرت
على عيش حياة لا تشبه تطلعاتها.
ويشدد الدكتور المهدي على أن سيكولوجية المرأة تتشكل في مرآة "النظرة
المجتمعية"؛ فمنذ الطفولة، تُصاغ هوية الأنثى بناءً على ما يتوقعه الآخرون
منها، مما قد يخلق "ذاتاً زائفة" تحاول إرضاء المجتمع على حساب
"الذات الحقيقية". "لب الحكمة" في هذا المحور يكمن في إدراك
أن الصحة النفسية للمرأة تبدأ من "التصالح مع الأنوثة"؛ ليس كقيد أو قدر
مفروض، بل كمصدر قوة وإلهام. إن فهم سيكولوجية الأنوثة يتطلب منا أن نكف عن
مقارنتها بالرجل، وأن نبدأ في تقدير "التفرد الأنثوي" الذي يوازن بين
الرقة والصلابة، وبين الذوبان في الآخرين والحفاظ على استقلالية الكيان. في هذا
الكشف النفسي، يفتح المهدي الباب أمامنا لنرى المرأة لا كـ "تابع" ولا
كـ "لغز"، بل كإنسانٍ يحمل بين جوانحه أعقد وأرمل معادلات النفس البشرية.
المحور الثاني: الفصول النفسية للمرأة.. تقلبات البيولوجيا وصمود الروح.
ينتقل بنا الدكتور محمد المهدي إلى منطقة بالغة الأهمية والحساسية، وهي
"العلاقة الجدلية بين الجسد والروح". يرى المهدي أن حياة المرأة النفسية
ليست خطاً مستقيماً، بل هي أشبه بفصول السنة التي تتبدل وتتغير، حيث تخضع المرأة
لدورات بيولوجية وهرمونية عنيفة تؤثر بشكل مباشر على كيميائية المخ، وبالتالي على
الحالة المزاجية والسلوكية. "لب الحكمة" هنا يكمن في إدراك أن هذه
التقلبات ليست "اضطراباً" في الشخصية، بل هي جزء أصيل من التكوين
الأنثوي الذي يتطلب فهماً خاصاً واحتواءً من المحيطين بها.
ويسترسل الكتاب في تحليل هذه الفصول، بدءاً من "مرحلة
المراهقة" وما يصاحبها
من صدمة التحول الجسدي والبحث عن الهوية، وصولاً إلى "مرحلة
الأمومة" التي يصفها
المهدي بأنها "الزلزال النفسي الأعظم". فالأمومة ليست مجرد دور اجتماعي،
بل هي إعادة صياغة كاملة لكيان المرأة، حيث تصطدم رغبتها في العطاء بمشاعر الخوف
والقلق والمسؤولية، وقد تقع فريسة لما يعرف بـ "اكتئاب ما بعد الولادة"
إذا لم تجد الدعم الكافي. يوضح المهدي أن جسد المرأة يتحدث لغة لا يفهمها الكثير
من الرجال، لغة تعبر عن الإرهاق العاطفي خلف قناع "التضحية"، وعن الحاجة
للسند خلف ملامح "القوة".
ثم يأتي الفصل الأكثر غموضاً، وهو "مرحلة
انقطاع الطمث" أو ما يُسمى خطأً بسن اليأس. هنا، يصحح الدكتور المهدي
المفاهيم المغلوطة، مؤكداً أن هذه المرحلة هي "سن الحكمة"
و"النضج"، لكنها تترافق مع تغيرات هرمونية حادة قد تُشعر المرأة بفقدان
الأنوثة أو تراجع الدور الاجتماعي. إن الصراع النفسي في هذه المرحلة يتمحور حول
سؤال "من أنا الآن؟"، وهنا تبرز أهمية الصحة النفسية في مساعدة المرأة
على اجتياز هذه التحولات بسلام. إن الرسالة العميقة في هذا المحور هي أن بيولوجيا
المرأة ليست "قدراً بائساً"، بل هي إيقاعٌ حيوي يحتاج من المرأة أن تفهم
لغة جسدها، ومن المجتمع أن يحترم هذا الإيقاع ولا يصمه بالضعف أو النقص، فبقدر ما
تُحترم "فصول الأنثى"، بقدر ما يزهر استقرارها النفسي ويستقيم توازن
الأسرة والمجتمع.
المحور الثالث: وجعُ الصمت.. لِمَاذَا تَسْكُنُ الآلامُ نَفْسَ المَرْأَة؟
ينتقل بنا الدكتور محمد المهدي في هذا الجزء إلى منطقةٍ شائكةٍ ومؤلمة، وهي
التساؤل الجوهري: لماذا تُشيرُ الإحصاءاتُ والواقعُ السريريُّ إلى أنَّ المرأةَ هي
الأكثرُ عرضةً للاضطراباتِ النفسية، خاصةً القلقَ والاكتئاب؟ يرفضُ المهدي
الاختزالَ السطحيَّ الذي يُرجِعُ الأمرَ لضعفٍ في الشخصية، بل يغوصُ عميقاً ليحللَ
"بنيةَ الوجع" الأنثوي. يرى أنَّ اكتئابَ المرأةِ ليس مجردَ حزنٍ عابر،
بل هو "احتجاجٌ صامت" وصرخةٌ مكتومة ضدَّ واقعٍ يفرضُ عليها أن تكونَ
"خزانَ امتصاصٍ" لهمومِ الآخرين وضغوطِ الحياة، دونَ أن تجدَ هي مَن
يمتصُّ قلقَها أو يقرأُ تعبَها.
ويسترسلُ الكتابُ في تشريحِ أسبابِ هذا الوجع، موضحاً أنَّ المرأةَ تعيشُ
ما يسمى بـ "العبءِ المزدوج"؛ فهي مطالبةٌ بالكمالِ في كلِّ الجبهات،
وفي سعيِها المحمومِ لإرضاء الجميع، تقعُ في فخِّ "إهمالِ الذات". يوضحُ
المهدي أنَّ القلقَ عند المرأة غالباً ما يرتبطُ بـ "غريزةِ الرعاية"؛
فهي تقلقُ على الأبناء، وتنشغلُ باستقرارِ الزوج، وتتحملُ همومَ الوالدين، مما
يجعلُ جهازَها العصبيَّ في حالةِ "تأهبٍ قصوى" ومستمرة. هذا الضغطُ
المتواصل يؤدي إلى استنزافِ طاقتِها النفسية، لتجدَ نفسَها في نهايةِ المطافِ
غارقةً في الاكتئاب، الذي يصفه المهدي بأنه "انكفاءُ الروحِ على ذاتِها"
بعدَ أن أرهقَها العطاءُ من طرفٍ واحد.
ثُمَّ يفتحُ لنا الدكتور المهدي زاويةً تحليليةً مذهلة حول
"سيكولوجيةِ الجسدِ المقهور"؛ ففي المجتمعاتِ التي تُقدسُ المظاهر،
تُجبرُ المرأةُ على حصرِ قيمتِها في جمالِها الخارجي، مما يخلقُ صراعاً نفسياً
مريراً مع التقدمِ في العمرِ أو تغيرِ الملامح، وهو ما يغذي اضطراباتِ الصورةِ
الذاتيةِ وفقدانَ الثقة. "لبُّ الحكمة" في هذا المحور يكمن في إدراكِ
أنَّ معاناةَ المرأةِ النفسية ليست "قدراً بيولوجياً" لا فكاك منه، بل
هي نتيجةُ تراكماتٍ من الصمتِ والتضحيةِ المفرطة. إنَّ شفاءَ المرأةِ يبدأُ حينَ
تتعلمُ أنَّ "قولَ لا" للضغوطِ المنهكة هو "نعم" كبيرة
لصحتِها النفسية، وأنَّ طلبَ الدعمِ النفسيِّ ليس علامةَ ضعف، بل هو منتهى القوةِ
في مواجهةِ عالمٍ يطلبُ منها الكثيرَ ولا يعطيها إلا القليل.
المحور الرابع: المرأةُ في مِرآةِ الرَّجل.. جَدَلِيَّةُ العاطفةِ
والاحتياج.
يضعنا الدكتور محمد المهدي في هذا المحور أمام حقيقةٍ نفسيةٍ بالغةِ العمق؛
وهي أنَّ الصحةَ النفسيةَ للمرأة لا تتشكلُ في فراغ، بل تُنحتُ ملامحُها في
"مرآةِ العلاقات" التي تخوضُها مع الرجل، بدءاً من الأب وصولاً إلى
الشريك. يرى المهدي أنَّ الرجل في حياة المرأة ليس مجرد "آخَر"، بل هو
عنصرٌ حيويٌّ في استقرارها الوجداني أو اضطرابه. فالمرأةُ تبحثُ دائماً عن
"الأمانِ النفسي" قبل الأمان المادي، وإذا فُقد هذا الأمان في علاقتها
بالرجل، تصبحُ روحُها عُرضةً للتآكلِ والهشاشة.
ويسترسلُ الكتابُ في تحليل "سيكولوجية الارتباط"، موضحاً أنَّ
الكثير من الصراعات النفسية التي تعاني منها المرأة تنبعُ من سوءِ الفهمِ المتبادل
لـ "لغة الاحتياج". فالمرأةُ، بتكوينِها الوجداني، تحتاجُ إلى
"الكلمةِ الطيبة" والتقديرِ المعنوي كاحتياجٍ أساسيٍّ لا يقلُّ أهميةً
عن الطعام والكساء. يوضح المهدي أنَّ إهمالَ الرجل لهذا الجانب، أو تعامله ببرودٍ
عاطفي، يولدُ لدى المرأة شعوراً بالرفضِ أو الدُّونِيّة، وهو ما قد يترجمُ لاحقاً
إلى أمراضٍ نفسجسمانية (سيكوسوماتية)؛ حيث يصرخُ الجسدُ بالألمِ حينَ يعجزُ القلبُ
عن التعبيرِ عن خيبتِه. إنَّ العلاقةَ السويَّةَ، كما يراها المهدي، هي التي تعملُ
كـ "مرفأ" ترسو فيهِ أنوثةُ المرأةِ بسلام، لا كـ "ساحةِ
معركة" تحاولُ فيها إثباتَ جدارتِها أو انتزاعَ حقِّها في الوجود.
ثُمَّ ينتقلُ الدكتور المهدي ليفكك "عقدة التبعية"، محذراً من
ذوبانِ المرأةِ الكليِّ في كيانِ الرجل؛ فالتوازنُ النفسيُّ يتطلبُ من المرأة أن
تحافظَ على "ذاتِها المستقلة" رغمَ عمقِ الاتصال. "لبُّ
الحكمةِ" في هذا المحور هو أنَّ الرجلَ الواعيَ هو الذي يكونُ مصدراً لصحةِ
المرأةِ النفسية لا سبباً في علَّتِها، وأنَّ على المرأةِ أن تدرك أنَّ قيمتَها
تنبعُ من داخلها، وأنَّ العلاقةَ مع الرجل يجبُ أن تكونَ "إضافةً"
لجمالِ حياتِها لا "شرطاً" وحيداً لهذا الجمال. إنَّ تصحيحَ مسارِ
العلاقاتِ هو في جوهره تصحيحٌ لمسارِ الصحةِ النفسية، فالحبُّ السَّويُّ هو أعظمُ
"مضادِ اكتئابٍ" فطريٍّ عرفتْهُ البشرية.
المحور الخامس: خارطةُ الطريقِ نَحْوَ التَّوازُن.. كَيْفَ تَسْتَعيدُ
المَرْأَةُ صِحَّتَهَا النَّفْسِيَّة؟
بعدَ أنْ شخَّصَ الدكتور محمد المهدي الأوجاعَ وحلَّلَ الصراعات، يفتحُ لنا
في هذا المحورِ بابَ الأمل، واضعاً "دستوراً للتعافي" واستعادةِ الذات.
يرى المهدي أنَّ الخطوةَ الأولى والأساسيةَ في خارطةِ الطريقِ هي "الوعيُ بالذات"؛ أي أنْ
تتوقفَ المرأةُ عن لومِ نفسها على مشاعرَ إنسانيةٍ طبيعية، وأنْ تدركَ أنَّ طلبَ
الراحةِ أو المساعدةِ ليسَ أنانيةً، بل هو "واجبٌ أخلاقيٌّ" تجاهَ
كيانِها. فالمرأةُ التي لا تمنحُ نفسها الحبَّ والرعاية، لنْ تستطيعَ أنْ تفيضَ
بهما على مَنْ حولها للأبد دونَ أنْ تنكسر.
ويسترسلُ الكتابُ في تقديمِ استراتيجياتِ التوازن، مؤكداً على أهمية "وضعِ الحدود" (Setting Boundaries)؛ وهي مهارةٌ نفسيةٌ تفتقدُها الكثيرُ من
النساء تحتَ وطأةِ الرغبةِ في الإرضاء. يوضحُ المهدي أنَّ الصحةَ النفسيةَ تبدأُ
حينَ تتعلمُ المرأةُ كيفَ ترفضُ الاستنزافَ العاطفي، وكيفَ تخصصُ لنفسِها
"مساحةً آمنة" تمارسُ فيها هواياتِها وتستعيدُ فيها صلتَها بروحِها
بعيداً عن أدوارِ "الأم والزوجة والموظفة". إنَّ استعادةَ الاستقلالِ
الوجدانيِّ لا يعني الانفصالَ عن الآخرين، بل يعني الاتصالَ بهم من موضعِ
"قوةٍ واختيار" لا من موضعِ "اضطرارٍ وذوبان".
ثُمَّ ينتقلُ الدكتور المهدي إلى الجانبِ الروحانيِّ والجسدي، معتبراً أنَّ
التوازنَ هو منظومةٌ متكاملة. فيشددُ على أهميةِ التصالحِ مع الجسدِ وتفهمِ
تقلباتِهِ البيولوجيةِ بدلاً من الصراعِ معها، كما يشيرُ إلى أنَّ
"المعنى" في حياةِ المرأة هو المحركُ الأقوى لصحتِها؛ فكلما وجدتِ
المرأةُ قضيةً تؤمنُ بها أو هدفاً شخصياً تسعى إليهِ بعيداً عن تلبيةِ احتياجاتِ
الآخرين، زادَتْ مناعتُها النفسيةُ ضدَّ الاكتئاب. "لبُّ الحكمة" في هذا المحور هو أنَّ
التعافي ليسَ محطةً نصلُ إليها، بل هو "نمطُ حياة" يقومُ على الصدقِ مع
النفس، والشجاعةِ في التعبيرِ عن الاحتياجات، والإيمانِ العميقِ بأنَّ المرأةَ
القويةَ نفسياً هيَ أعظمُ هديةٍ يمكنُ أنْ تُقدَّمَ للعالم.
الخاتمة: نحو فجرٍ جديدٍ للصحةِ النفسية.
وفي ختامِ هذه الرحلةِ العميقةِ بين دفتي كتاب "الصحة
النفسية للمرأة"، ندركُ أنَّ
الدكتور محمد المهدي لم يكن يكتبُ وصفاتٍ طبية، بل كان يكتبُ "ميثاقاً
إنسانياً" يعيدُ الاعتبارَ لروحِ الأنثى. لقد طوفنا في أرجاء النفسِ البشرية،
لنكتشفَ أنَّ صحةَ المرأةِ ليست مجردَ غيابٍ للمرض، بل هي "حالةٌ من
الوعي" بجمالِ التكوين، وشجاعةٌ في مواجهةِ تقلباتِ الحياة، وقدرةٌ على قول
"نعم" للذاتِ حينَ يطالبُها الجميعُ بالذوبان.
إنَّ الرسالةَ الكبرى التي نخرجُ بها اليوم هي أنَّ ترميمَ نفسِ المرأة هو
ترميمٌ لبوصلةِ المجتمعِ بأكمله؛ فالمجتمعُ الذي تُحترمُ فيهِ "فصولُ
الأنثى" البيولوجية، وتُقدَّرُ فيهِ تضحياتُها الصامتة، وتُحتوى فيهِ صرخاتُ
قلقِها، هو مجتمعٌ يسيرُ بخطىً واثقة نحو الاتزان. تذكري دائماً، أنَّ قيمتِكِ لا
تُقاسُ بمقدارِ ما تقدمينَهُ للآخرين فحسب، بل بمقدارِ ما تمنحينَهُ لنفسكِ من
رفقٍ وتفهم. فالنفسُ التي لا تجدُ السكينةَ في داخلِها، لن تستطيعَ أن تبنيَ بيتاً
من السكينةِ لغيرِها.
لقد وضعَ لنا هذا الكتابُ "خارطةَ طريق" تبدأُ بالحبِّ وتنتهي
بالوعي، وما بينهما رحلةُ سعيٍ دائمٍ نحو التوازن. إنَّ الصحةَ النفسيةَ هي أعظمُ
استثمارٍ يمكنُ أن تضعَهُ المرأةُ في نفسها، لتكونَ تلك المنارةَ التي تضيءُ دونَ
أن تحترق، والقلبَ الذي يعطي دونَ أن ينكسر.
ولأنَّ هدفَنا في (لُبِّ الكِتابِ) هو أن نكونَ جسرَكم نحو المعرفةِ التي تُغيرُ الحياة، فإننا نأملُ أن يكونَ هذا الملخصُ قد أضاءَ شمعةً في طريقِ فهمِ ذواتِكم ومن تُحبون. إذا لامسَ هذا المحتوى وجدانكَ، أو منحكَ رؤيةً جديدةً للصحةِ النفسية، فلا تتردد في الضغطِ على زِرِّ الإعجابِ ودعمِ القناةِ ليصلَ هذا الوعيُ إلى أكبرِ قدرٍ من القلوبِ المتعطشةِ للفهم.
شكراً لطيبِ المتابعة، وإلى لقاءٍ يتجددُ مع كتابٍ يصنعُ الوعي.. ويُحيي
الروح.
تعليقات
إرسال تعليق