هل سبق لك أن دخلت إلى مؤسسة وشعرت بأن الهواء فيها ثقيل، ليس بسبب سوء التهوية، بل بسبب "البرود الإنساني" الذي يغلف المكان؟ حيث الوجوه خالية من التعبير، والردود مقتضبة بعبارة "هذا ليس من شأني"، والجميع ينتظرون عقارب الساعة لتعلن نهاية الدوام وكأنهم في رحلة أسر لا رحلة عمل. هذا المشهد الكئيب ليس ناتجاً عن نقص في الميزانيات، بل هو العَرَض الأبرز لما يسميه الخبير الإداري الفذ "هاري تشامبرز" بـ اللامبالاة والسلبية. نحن اليوم في (لب الكتاب)، لا نقرأ مجرد صفحات، بل نفتح ملف عملية جراحية ضرورية لاستئصال هذا الورم التنظيمي الذي ينهش جسد الإنتاجية، من خلال كتاب "استئصال اللامبالاة والسلبية من بيئة العمل الإدارية".
ينطلق هاري تشامبرز من فرضية صادمة: اللامبالاة ليست سلوكاً يجلبه
الموظف معه من منزله في حقيبته، بل هي "منتج محلي" تصنعه بيئة العمل
السيئة. يوضح لنا تشامبرز أن الموظف لا يقرر فجأة أن يتوقف عن الاهتمام، بل يمر
بسلسلة من الخيبات، والقرارات الإدارية العمياء، وغياب التقدير، حتى يصل إلى قناعة
مدمرة بأن "الجهد يساوي العدم". الكتاب هنا يعمل كمرآة كاشفة؛ فهو يواجه
القادة والمديرين بحقيقة أن صمت الموظفين ليس دليلاً على الرضا، بل هو غالباً
"انسحاب نفسي" وطلاق صامت بين الموظف وأهداف مؤسسته. إن استئصال السلبية،
كما يراه تشامبرز، يبدأ من فهم أن الموظف إنسان يدفعه "الشعور بالمعنى"
قبل أن تحركه "الحوافز المادية".
إن ما يميز هذا الكتاب، وما سنغوص فيه اليوم، هو الشجاعة في تسمية الأشياء
بمسمياتها. لن يتحدث إلينا تشامبرز عن نظريات حالمة، بل سيضع أيدينا على
"فيروسات اللامبالاة" وكيف تنتشر بالعدوى بين المكاتب. سيخبرنا كيف
تتحول القيادة المجهرية
(Micromanagement) إلى خناجر تقتل روح المبادرة، وكيف تذوب الانتماءات تحت
وطأة البيروقراطية. نحن بصدد استكشاف خارطة طريق عملية، تعيد الروح إلى الممرات
الباردة، وتحول كل فرد في المؤسسة من مجرد "رقم وظيفي" إلى "شريك
في الحلم". استعدوا، لأننا على وشك أن نتعلم كيف نعيد بناء الجسور التي
هدمتها السلبية، وكيف نسترد الشغف الذي سُرق في زحام الروتين.
ولأنَّ نجاحَنا المهني هو جزءٌ لا يتجزأ من جودةِ حياتِنا، فإننا في (لُبِّ الكِتابِ) ندعوكم لتكونوا جزءاً من هذا التغيير الإيجابي. إذا كنتَ
مديراً يطمح لبناء فريقٍ أسطوري، أو موظفاً يبحث عن استعادة شغفه، فابدأ بـ الإعجاب
بالفيديو ومشاركتِه مع زملائك في العمل.
المحور الأول: تشخيص الداء.. كيف نقرأ الرسائل الخفية للامبالاة؟
يبدأ هاري تشامبرز رحلته في هذا الكتاب بتنبيه القادة إلى أن
اللامبالاة لا تطرق الأبواب بصوت عالٍ، بل هي تسلل ناعم يشبه تآكل الصخور بفعل
المياه. يوضح تشامبرز أن "التشخيص الصحيح" هو نصف العلاج؛ فالموظف
اللامبالي ليس بالضرورة موظفاً مهملاً بشكل فج، بل هو غالباً شخص قرر
"التقاعد وهو على رأس العمل". يحلل الكتاب ملامح هذا الداء في أشكال
متعددة، تبدأ بانسحاب الموظف من تقديم المقترحات، مروراً بالالتزام الحرفي والميت
بالقوانين دون روح، وصولاً إلى غياب المبادرة تماماً. يشرح تشامبرز أن هذه
السلوكيات ليست إلا "صرخة صامتة" تعبر عن فقدان الثقة في النظام
الإداري، حيث يشعر الموظف أن صوته لم يعد يصنع فارقاً، وأن الأذنين التي ينبغي أن
تسمعه قد أصابها الصمم التنظيمي.
وينساب التحليل ليوضح كيف أن السلبية تتغذى على "الغموض"؛ فعندما
لا يعرف الموظف "لماذا" يفعل ما يفعل، أو عندما يرى أن المعايير التي
يُحاكم بها ضبابية ومزاجية، فإنه ينسحب إلى منطقة الأمان السلبي. يشدد تشامبرز على
أن اللامبالاة هي "معدل الذكاء العاطفي للمؤسسة حين ينخفض إلى الصفر"؛
فهي انعكاس لبيئة تفتقر إلى الشفافية والمكاشفة. الأخطر من ذلك، كما يصفه الكتاب،
هو "تطبيع السلبية"، أي أن تصبح الشكوى والتذمر هي اللغة الرسمية في غرف
الاستراحة والممرات، مما يخلق ضغطاً جماعياً على الموظفين المتميزين ليخفضوا سقف
أدائهم حتى لا يبدوا "نشازاً" وسط جو عام من الخمول.
إن "لب الحكمة" في هذا المحور يكمن في
إدراك أن اللامبالاة ليست مشكلة "أداء"، بل هي مشكلة
"ارتباط". يخبرنا هاري تشامبرز أن المدير الذي يكتفي بمراقبة ساعات
الحضور والانصراف يغفل عن الحقيقة الكبرى: الموظف قد يكون موجوداً بجسده، لكن شغفه
وعقله غائبان تماماً. لذا، فإن التشخيص يبدأ بسؤال المدير لنفسه: "ما الذي
فعلته بيئة العمل هنا لتجعل التجاهل خياراً أفضل من المشاركة؟". إن استئصال
هذا الداء يتطلب شجاعة لمواجهة الحقائق المرة، والاعتراف بأن السلبية هي النتيجة
الطبيعية لقيادة لا ترى في الموظف سوى "ترس" في آلة، بدلاً من أن تراه
"قلباً" ينبض بالطموح.
المحور الثاني: وباء العدوى.. كيف تتحول سلبية الفرد إلى ثقافة مؤسسة
كاملة؟
ينتقل بنا هاري تشامبرز إلى نقطة بالغة الخطورة، وهي
"ديناميكية العدوى" داخل المكاتب. يوضح تشامبرز أن السلبية واللامبالاة
ليستا مجرد مشاعر فردية حبيسة الصدور، بل هما "فيروسات تنظيمية" عابرة
للأقسام. يحلل الكتاب كيف يمكن لموظف واحد "سام" أن يفسد بيئة عمل
كاملة؛ ليس لأنه الأقوى، بل لأن السلبية بطبيعتها تمتلك صوتاً عالياً وجاذبية
خادعة لمن يشعرون بالإحباط. يصف تشامبرز "تجمعات التذمر" حول ماكينات
القهوة أو في غرف الاستراحة بأنها المختبرات التي يتم فيها تصنيع اللامبالاة، حيث
يتم تبادل خيبات الأمل وتضخيم الأخطاء الإدارية، حتى يقتنع الجميع بأن
"المحاولة لا تستحق".
وينساب السرد ليشرح مفهوماً عميقاً يسميه تشامبرز "الضغط الجماعي نحو
القاع"؛ فعندما تسود ثقافة اللامبالاة، يصبح الموظف المجتهد والمبادر هدفاً
للسخرية أو العزل من قبل زملائه السلبيين، الذين يرون في نجاحه تهديداً لراحتهم أو
كشفاً لتقصيرهم. هنا، يوضح الكتاب أن السلبية تتحول من "حالة فردية" إلى
"عقد اجتماعي غير مكتوب" بين الموظفين، عنوانه: "سنؤدي الحد الأدنى
حتى لا نتعب، ولن يهتم أحد لأن الجميع يفعل المثل". يشدد هاري تشامبرز على أن
الإدارة التي تتجاهل هذه التكتلات السلبية بحجة أنها مجرد "دردشة
موظفين"، هي في الحقيقة تسمح لأساسات المؤسسة بأن تتآكل، لأن هذه العدوى تقتل
أعظم أصول الشركة: "الروح المعنوية".
إن "لب الحكمة" في هذا المحور هو
التحذير من "صمت الأخيار"؛ فاللامبالاة تنتصر عندما يتوقف الموظفون
الإيجابيون عن المحاولة خشية الصدام مع الموجة السلبية. يخبرنا تشامبرز أن دور
القائد هنا يشبه "جهاز المناعة"؛ عليه ألا يكتفي بمراقبة الموظفين، بل
عليه أن يتدخل بحزم لعزل البؤر السامة وإعادة الاعتبار للموظفين المخلصين. يعلمنا
الكتاب أن استئصال السلبية يتطلب شجاعة لمواجهة "المحبطين المحترفين"
ووضع حدود واضحة للسلوك المقبول، مع التأكيد على أن ثقافة المؤسسة ليست ما نكتبه
على الجدران من شعارات، بل هي ما يفعله الموظفون ويقولونه لبعضهم البعض عندما يغيب
المدير عن الغرفة.
المحور الثالث: فخ الإدارة المجهرية.. كيف يقتل المدير شغف فريقه دون أن
يشعر؟
في هذا المحور، يضع هاري تشامبرز يده على واحد من أخطر الأسباب التي
تؤدي إلى اللامبالاة، وهو "الإدارة المجهرية" أو
(Micromanagement). يوضح تشامبرز أن المدير الذي يتدخل في كل صغيرة وكبيرة،
ويراقب كل شاردة وواردة، ويصر على أن تُنفذ المهام بطريقته الخاصة فقط، هو في
الحقيقة يرسل رسالة مدمرة لفريقه مفادها: "أنا لا أثق بكم". هذه الكلمات
غير المنطوقة تعمل كخنجر يقتل روح المبادرة؛ فالموظف عندما يشعر أنه مجرد
"ريموت كنترول" في يد مديره، يقرر تلقائياً التوقف عن التفكير، ويتحول
إلى كائن سلبي ينتظر الأوامر فقط، فمادام القرار ليس قراره، فلماذا يتحمل عناء
الاهتمام بالنتيجة؟
وينساب التحليل ليشرح لنا "سيكولوجية التبعية" التي يخلقها هذا
الأسلوب الإداري العقِيم. يرى تشامبرز أن الإدارة المجهرية لا ترهق المدير فحسب،
بل تصيب الموظفين بـ "الشلل الفكري"؛ حيث يصبح الموظف خائفاً من الخطأ،
ومتردداً في اتخاذ أي خطوة دون الرجوع لـ "المرجع الأعلى". بمرور الوقت،
تنمو اللامبالاة كنوع من "التمرد الصامت"؛ حيث يقول الموظف لنفسه:
"مادمت تتدخل في كل شيء، فافعل كل شيء بنفسك". هنا، تضيع المسؤولية
وتتلاشى "روح الملكية" (Ownership)، ويصبح
الفريق مجرد مجموعة من المنفذين الآليين الذين فقدوا شغفهم لأنهم فقدوا
"حريتهم" في العمل.
إن "لب الحكمة" في هذا الجزء، كما يطرحه
هاري تشامبرز، هو أنَّ الثقة هي الوقود الحقيقي للإيجابية. يخبرنا الكتاب أنَّ
الاستئصال الحقيقي للامبالاة يبدأ بـ "التفويض الواعي"؛ أي منح الموظف
المساحة ليخطئ ويتعلم، وليضع بصمته الخاصة على عمله. يشدد تشامبرز على أن دور المدير
ليس "فحص كل برغي في الآلة"، بل "رسم الاتجاه وإلهام الطاقم".
فالموظف الذي يشعر بأنه "سيد قراره" في مهامه هو موظف سيحارب من أجل
نجاح تلك المهام، بينما الموظف المُراقب مجهرياً سيبحث عن أول فرصة للهروب، أو في
أفضل الأحوال، سيعيش في حالة من اللامبالاة التامة، مؤدياً الحد الأدنى الذي يبقيه
بعيداً عن المشاكل.
المحور الرابع: كسر الصمت.. كيف تبني ثقافة "المكاشفة" لمواجهة
السلبية؟
ينتقل بنا هاري تشامبرز في هذا الجزء إلى استراتيجية المواجهة
المباشرة، مؤكداً أنَّ اللامبالاة والسلبية تزدهران في "الظلام
الإداري"؛ أي في تلك المساحات المسكوت عنها حيث يكثر الهمس وتغيب الحقائق.
يوضح تشامبرز أنَّ أقوى سلاح لاستئصال السلبية هو "المكاشفة الصادقة".
الصمت الإداري تجاه المشاكل أو تجاه الموظفين المحبطين لا يحل الأزمة، بل يغذيها،
لأنَّ الموظف يفسر صمت الإدارة على أنه تجاهل أو عجز. لذا، يدعو الكتاب إلى خلق
قنوات تواصل "آمنة"، حيث يمكن للموظف أن يعبر عن إحباطه أو نقده دون خوف
من العقاب، محولاً بذلك الطاقة السلبية المكبوتة إلى حوار بناء يهدف للتغيير.
وينساب التحليل ليشرح دور "الوضوح" في قتل السلبية. يرى تشامبرز
أنَّ معظم حالات اللامبالاة تنبع من "ضبابية التوقعات"؛ فعندما لا يعرف
الموظف معايير النجاح الحقيقية، أو يشعر أنَّ الثواب والعقاب يخضعان للمزاجية لا
للأداء، فإنه ينسحب إلى منطقة البرود. هنا، تبرز أهمية "التغذية الراجعة" (Feedback) كأداة حيوية؛ ليس فقط لتصحيح الأخطاء، بل
لتقدير الإنجازات الصغيرة. يشدد هاري تشامبرز على أنَّ الموظف يحتاج أن يسمع
"أين يقف" بانتظام، وأنَّ الحديث الصريح عن الأهداف والتحديات يقطع
الطريق على "إشاعات الرواق" التي تعتبر المصدر الأول لتسميم بيئة العمل
بالسلبية.
إن "لب الحكمة" في هذا المحور هو أنَّ
"الحقيقة قد تكون مؤلمة، لكنَّ الغموض قاتل". يخبرنا تشامبرز أنَّ
المدير الشجاع هو من يواجه السلوك السلبي في مهدِه، ولا يتركه يتفاقم تحت شعار
"سوف تنصلح الأمور وحدها". استئصال اللامبالاة يتطلب كسر حاجز الصمت بين
المستويات الإدارية المختلفة، واستبدال ثقافة "نحن وهم" بثقافة
"نحن جميعاً في قارب واحد". يعلمنا الكتاب أنَّ الشفافية في نقل
المعلومات، والمصداقية في الوعود، والقدرة على الاعتراف بالأخطاء الإدارية، هي
التي تعيد بناء جسور الثقة المهدومة، وهي الضمانة الوحيدة لتحويل الموظف من
"متفرج محبط" إلى "مشارك فاعل" يحمل هم المؤسسة كأنها مِلْكه
الخاص.
المحور الخامس: هندسة الحوافز المعنوية.. ما وراء الراتب في استرداد الشغف
الضائع.
يصل بنا هاري تشامبرز إلى منطقة شديدة الحساسية في الإدارة، وهي
"وهم التحفيز المادي". يوضح تشامبرز أنَّ الاعتقاد السائد بأنَّ الراتب
والمكافآت المالية هي الحل السحري للقضاء على اللامبالاة هو اعتقاد قاصر؛ فالمال
قد يشتري "وقت" الموظف وحضوره الجسدي، لكنه أبداً لا يشتري
"ولاءه" أو "إبداعه". يرى الكتاب أنَّ السلبية تترسخ عندما
يشعر الموظف بأنه "ترس مجهول" في آلة ضخمة، مهما زاد أجره. لذا، فإنَّ
استئصال البرود الوظيفي يتطلب ما يسميه تشامبرز "هندسة الحوافز
المعنوية"، والتي تبدأ من منح الموظف شعوراً بـ القيمة (Value) والأهمية (Significance).
الموظف يحتاج أن يرى أثر عمله في الصورة الكبيرة للمؤسسة، ويحتاج أن يشعر
بأنَّ وجوده "يحدث فرقاً".
وينساب السرد ليشرح لنا أنَّ "التقدير" هو العملة الصعبة في بيئة
العمل الحديثة. يرى هاري تشامبرز أنَّ كلمة "شكراً" الصادقة، أو الثناء
العلني على مجهود استثنائي، قد تفعل في نفسية الموظف ما لا تفعله زيادة سنوية
روتينية. السلبية تذوب عندما يجد الموظف أنَّ مجهوده "مرئي" ومقدر من
قِبل قيادته. يتحدث الكتاب أيضاً عن مفهوم "الإثراء الوظيفي"؛ أي منح
الموظف تحديات جديدة تخرجه من روتين القتل البطيء. فاللامبالاة هي الابنة الشرعية
للملل، وعندما تتوقف المؤسسة عن توفير فرص للنمو والتعلم، فإنَّ الموظف يبدأ في
الانسحاب ذهنياً. يخبرنا تشامبرز أنَّ استرداد الشغف يتطلب تحويل العمل من
"عبء يومي" إلى "فرصة للتطور الشخصي والمهني".
إن "لب الحكمة" في هذا المحور يكمن في
ربط المهام بـ "الغايات". يوضح هاري تشامبرز أنَّ الموظف الذي يعرف
"لماذا" يفعل هذا العمل، ومن هم الأشخاص الذين يستفيدون من إنتاجه، يكون
أكثر مناعة ضد السلبية. استئصال اللامبالاة يتطلب من المدير أن يكون "مهندساً
للروح المعنوية"، يبحث عن مواهب موظفيه الدفينة ويستثمر فيها، ويخلق بيئة
تحتفي بالنجاحات الصغيرة قبل الكبيرة. يعلمنا تشامبرز أنَّ البشر بطبيعتهم يحبون
أن يكونوا جزءاً من "شيء ناجح وعظيم"، ومهمة القائد هي إقناع كل فرد في
الفريق بأنَّ مساهمته هي التي تجعل هذا النجاح ممكناً. عندما يشعر الموظف
بالانتماء النفسي، تسقط اللامبالاة تلقائياً، ويحل محلها تفانٍ ينبع من الداخل لا
من خوفٍ من جزاء أو طمعٍ في أجر.
المحور السادس: خارطة الطريق.. كيف نستأصل السلبية فعلياً؟
في هذا المحور الختامي، يغادر هاري تشامبرز مقعد المنظر ليقف في قلب
الميدان الإداري، مقدماً ما يشبه "البروتوكول العلاجي" لتطهير بيئة
العمل. يوضح تشامبرز أن استئصال اللامبالاة ليس حدثاً يقع بين ليلة وضحاها، بل هو
عملية مستمرة تبدأ بـ "المواجهة
الحاسمة". يرى الكتاب
أن الخطوة الأولى هي التوقف عن "تجميل الواقع"؛ على القائد أن يواجه
الموظفين السلبيين بحقائق أدائهم وتأثيرهم المدمر على الفريق، ليس بغرض العقاب، بل
بغرض وضع "خطوط حمراء" للسلوك المهني. يشرح تشامبرز أن التسامح مع
السلبية هو في الحقيقة خيانة للموظفين المجتهدين، ولذا فإن أولى خطوات الخارطة هي
إرساء مبدأ "المسؤولية الفردية"، حيث لا مكان لمن يختار البقاء في مربع
المتفرجين.
وينساب السرد نحو الخطوة التالية وهي "إعادة تصميم
الأدوار". يقترح
تشامبرز أن الحل للامبالاة قد يكمن في تغيير طبيعة المهام نفسها؛ فالموظف الذي
أصابه الصدأ في مكان ما قد يزهر في مكان آخر إذا ما مُنح مسؤوليات تتوافق مع شغفه.
يتحدث الكتاب هنا عن "عقد التميز الجديد"، وهو اتفاق غير مكتوب يعيد فيه
المدير صياغة التوقعات مع فريقه، مع التركيز على "النتائج لا
الساعات". يشدد هاري
تشامبرز على أن خارطة الطريق تتطلب خلق "نظام إنذار مبكر" يكتشف بوادر
الانسحاب النفسي لدى الموظفين قبل أن تتحول إلى عدوى شاملة، وذلك من خلال اللقاءات
الدورية الفردية التي تركز على "الإنسان" خلف "المسمى الوظيفي".
إن "لب الحكمة" في ختام هذا الكتاب يكمن
في مفهوم "الاستمرارية". يخبرنا هاري تشامبرز أن
استئصال السلبية ليس "حملة تنظيف" لمرة واحدة، بل هو "نمط
حياة" إداري. الخارطة الحقيقية تبدأ من الأعلى؛ من القائد الذي يجسد الحماس
والالتزام في أدق تفاصيله، ومن المؤسسة التي تكافئ المبادرة حتى لو فشلت، وتعاقب
اللامبالاة حتى لو تغلفت بالالتزام الروتيني. يعلمنا تشامبرز أن الهدف النهائي ليس
بناء شركة بلا مشاكل، بل بناء "فريق مرن" يمتلك من الوعي والإيجابية ما
يجعله يلفظ السلبية ذاتياً كما يلفظ الجسم الغريب. عندما تكتمل هذه الخارطة، تتحول
بيئة العمل من مجرد "مكان للوظيفة" إلى "مجتمع للنمو"، حيث لا
يجد فيروس اللامبالاة خلية واحدة صالحة ليعيش فيها.
الخاتمة: من الروتين القاتل إلى الشغف المُحيي
في ختام رحلتنا مع مبضع الجراح الإداري "هاري
تشامبرز"، ندرك أن
استئصال اللامبالاة والسلبية ليس مجرد ترفٍ إداري أو عملية تجميلية للمؤسسات، بل
هو معركة من أجل "استعادة الإنسان" داخل ميدان العمل. لقد علّمنا
تشامبرز أن خلف كل موظف سلبي حكاية تقديرٍ مفقود، وخلف كل بيئة عمل باردة قيادةً
اكتفت بالأرقام ونسيت الأرواح. إنَّ الرسالة الأسمى التي نخرج بها اليوم هي أنَّ
العمل لا ينبغي أن يكون "ضريبة" ندفعها من أعمارنا لنحصل على لقمة
العيش، بل يجب أن يكون ساحةً نثبت فيها ذواتنا ونترك فيها أثراً يبقى. اللامبالاة
هي "الموت الصامت" للمبدعين، ومهمتنا جميعاً—قادةً وموظفين—هي أن نحطم
تلك الجدران العازلة ونعيد للعمل معناه، وللإنجاز لذته، وللمبادرة قيمتها.
تذكروا دائماً أنَّ التغيير لا يبدأ بقرارٍ إداري يُعلق على الجدران، بل
يبدأ من تلك "الشرارة" التي تنطلق من داخلك؛ عندما تقرر ألا تستسلم
لعدوى الإحباط، وعندما تدرك أنَّ طاقتك الإيجابية هي أعظمُ استثمارٍ تملكه. إنَّ
المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالمكاتب الفاخرة، بل بالقلوب التي تؤمن بما تفعل،
وبالعقول التي لا تجد في قاموسها مكاناً لـ "ليس من شأني". لنغادر اليوم
مربع السلبية، ولنكن نحن "التغيير" الذي ننشده في مؤسساتنا، ولنجعل من
بيئة العمل مكاناً يستحق أن نبذل فيه أجمل سنوات العمر بكل حب وشغف.
ولأنَّ بناءَ الوعي هو أولى خطواتِ الاستئصال، فإننا في (لُبِّ الكِتابِ) نفخرُ بأن نكون صوتَكم المحفز نحو الأفضل. إذا شعرتَ
أنَّ هذا الملخص قد لمسَ وجعاً إدارياً تعيشُه، أو منحكَ بصيصَ أملٍ لتغييرِ واقعِ
فريقِك، فلا تنسَ أن تضغط على زر الإعجاب بالفيديو وتشاركه مع كل من تظنُّ
أنه يحتاجُ لسماعِ هذه الكلمات الآن.
اشترك في القناة الآن، وفعّل جرس التنبيهات لتكون دائماً في قلبِ
المعرفةِ التي تُغيرُ الواقع. والآن، ننتظرُ منكم مشاركةً في التعليقات: ما هو "السلوك الإيجابي" الذي تفعله في عملك
لكسر دائرة اللامبالاة من حولك؟ قصصُكم هي "لبُ" نجاحنا، وبكم
نستمرُ في استخلاصِ الجوهرِ من بينِ السطور.
شكراً لمتابعتكم، وإلى لقاءٍ قريب مع كتابٍ آخر.. يُحيي الشغفَ ويصنعُ الفارق.
تعليقات
إرسال تعليق