القائمة الرئيسية

الصفحات

لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ – شكيب أرسلان | تحليل شامل لأسباب تقدم الأمم وتأخر المسلمين

 في لحظة تبدو فيها الحضارة الإسلامية كشيء يلمع في الذاكرة أكثر مما يلمع في الواقع، يأتي كتاب شكيب أرسلان كجرس إنذار لا كتسجيل تاريخي. السؤال الذي طرحه لم يكن مجرد صيغة فكرية للبحث، بل كان سؤال وجود: لماذا نحن خارج حركة التاريخ بينما كانت شوارع قرطبة وبغداد تضيء نصفه يومًا؟ كيف يتحوّل من صنعوا علم الجبر والفلك والبصريات إلى متفرجين على منابر العلم لا شركاء فيها؟

أرسلان لم يكتب من برج نظري، بل من قلب عصر ينهار فيه كل ما كان يُعتقد أنه ثابت. الخلافة سقطت، الاستعمار توغل، والأمة وقفت مذهولة أمام سباق تقوده أوروبا كثورة عقل وإنتاج، بينما تكتفي هي بالتحسر على زمن مضى. المفارقة التي فجّرت قلمه ليست أن الغرب غلب، بل أن المسلمين استسلموا. استسلموا حين جعلوا الدين ذاكرة لا حركة، نصًا بلا فعل، وإيمانًا بلا مسؤولية. حرّك الرجل الجرح لا ليلوم، بل ليكشف، لأن ألم الحقيقة أقل فتكًا من استمرار الوهم.

في كل صفحة يردّ أرسلان التهمة من جذورها: لم يتخلف المسلمون لأن الإسلام عاجز، بل لأنهم تركوا جوهره وتشبثوا بقشره. لم يسقطوا لأن الله تخلّى، بل لأنهم تخلّوا عن سنن الله في الكون. فالسنن لا تحابي أمة ولا تُسقط أمة، بل تجيب من يعمل وتسكت أمام من ينتظر. الغرب لم يحقق صعوده بقداسة، بل بعرق. لم يتحول إلى قوة عظمى بالادعاء، بل بالبحث والمصنع والمدرسة، بينما كانت الأمة تحرس مقابر الحضارة دون أن تصنع حجرًا جديدًا في بنائها.

تبدو كلمات أرسلان اليوم أكثر حدّة مما كانت عليه قبل قرن، لأن الواقع يشبه التشخيص ذاته الذي قدّمه: دول عربية وإسلامية تمتلك ذاكرة ذهبية وتعيش حاضرًا رماديًا، قادرة على الحديث عن التاريخ وغير قادرة على صنع تاريخ. يكتب أرسلان كمن يضع مرآة أمام أمّة تهرب من رؤية نفسها، ويصرّ على أن مواجهة الذات أول الطريق، وأن الهروب هو أول الهزيمة.

النهضة ليست معجزة عابرة بل معادلة: إرادة + معرفة + نظام + أخلاق. وما لم تعد هذه المفردات جزءًا من حركة الأمة، ستظل عالقة في سؤال: لماذا تأخرنا؟ بينما يستمر الآخرون في السؤال الأكثر أهمية: كيف نتقدم أكثر؟

والآن، حان وقت الانتقال من القراءة إلى الفعل، من الوعي إلى المشروع، من السؤال إلى البناء.
إذا كنت ترى أن التاريخ ليس قدرًا بل صناعة، وأن التراجع ليس هوية بل حالة مؤقتة، فهذه رحلتك.
تابع معنا بقية الملخص لنبحث لا فقط عن أسباب السقوط، بل عن طريق الصعود.

 



المحور الأول: جذور التراجع كما يراها أرسلان.

حين فتح شكيب أرسلان ملفّ السؤال القديم المتجدد: لماذا تأخرنا؟ لم يكن يقصد لحظة بعينها، بل سلسلة زمنية ممتدة بدأت من لحظة خفت فيها جذوة العقل وارتبك فيها معنى الدين وتحول الفعل إلى انتظار دائم للقدر. فالتراجع لم يكن سقوطًا عابرًا في لحظة تاريخية، بل هبوطًا تدريجيًا شاركت فيه عوامل داخلية قبل أن تتدخل القوى الخارجية لتثبيته.

يتعامل أرسلان مع جذور التراجع كمرآة لا كتهمة. ينظر أولًا إلى الداخل، إلى الأمة نفسها، إلى بنائها الفكري وحالتها الأخلاقية ومؤسساتها التي توقفت عن التجديد. فالتاريخ في نظره لا ينهار فجأة، بل يتآكل حين تتوقف الأمة عن السؤال، عن القراءة، عن التفكير العملي في معنى القوة ومعنى النهضة.

أول الجذور التي يضع إصبعه عليها هو غياب الإرادة الحضارية. الإرادة في فلسفته ليست شعارًا ولا اندفاعًا عاطفيًا، بل ممارسة يومية للنهضة. حين تخلّف المسلمون عن الإنتاج العلمي والمعرفة، لم يكن ذلك لأنهم عاجزون، بل لأن الإرادة التي صنعت بغداد وقرطبة لم تعد موجودة. توقفت الهمّة عند حدود التمني، وأصبحت أفعال الأمة مشروطة بالانتظار، انتظار القوة من الماضي، أو الحل من السماء دون عمل، أو المعجزات دون أدوات.

الجذر الثاني الذي يصرح به أرسلان هو تعطيل العقل باسم الدين، وهي مفارقة جارحة لأن الدين نفسه قام على تحرير العقل ورفع قيمة السؤال. لكن لحظة الخلل ظهرت حين اختلطت القداسة بالنص البشري، وحين تحوّل التقليد إلى عقيدة، والاجتهاد إلى جرم، والبحث إلى ريبة. هنا انطفأ المصباح الذي كان يقود الحضارة الإسلامية يومًا، وتحول العلماء من صانعي نهضة إلى شرّاح نصوص، ومن مبتكرين إلى حافظين.

الجذر الثالث هو فقدان الشعور بالمسؤولية أمام العالم. المسلم الأول كان يرى نفسه حارسًا للعدل، أمينًا للعلم، وصانعًا للمعنى. لكن القرون التالية صنعت إنسانًا مهزومًا أمام ذاته، يكتفي بحدود الذات ولا يرى في الأمة أكثر من جغرافيا، بينما كان السلف يرى في الأمة رسالة. غاب مشروع التكامل، وارتفع جدار الفردية، وتراجع الشعور بالانتماء إلى مشروع حضاري أكبر من رغبات الأفراد وحساباتهم.

ولم يكن التراجع محض أخلاقي أو فكري، بل انسحب حتى على مفهوم العمل. العمل الذي كان في أساس الحضارة الإسلامية عبادة وسعيًا وإعمارًا، تحول إلى عادة ثقيلة، وتراجع فيه مفهوم الكفاءة، وبات المجتمع يقدّم من يحسن الخطاب لا من يحسن الفعل، ويكافئ الوجاهة أكثر مما يكافئ الإنتاج.

بهذه القراءة العميقة لا يُحمّل أرسلان الغرب مسؤولية سقوطنا، بل يحملنا مسؤولية تقصيرنا. الاستعمار جاء بعد أن أصبح الجدار هشًا، ولم يكن ليستطيع اقتحام عالم يتمسك بوعيه وقيمه وأدوات تقدمه. فالخلل سابق على التدخل الخارجي، والضعف كان قائمًا قبل أن تأتي قوة تثبته.

ما يكشفه هذا المحور ليس تاريخًا بل قصة وعي، قصة أمة حين توقفت عن الإضافة وأخذت مكانها في الصفوف الخلفية تنتظر من يسير عنها. وهنا يبدأ أرسلان في دقّ الجرس: التمدّن لا يُمنح، والهيمنة لا تُورث، والنهضة لا تولد في مجتمع يكتفي بأن يتباهى بما كان.

الصفحات التالية لن تكتفي بوصف الألم، بل ستتجه نحو التشريح الأعمق والعلاج الممكن، لأن السؤال لا يقف عند "لماذا تأخرنا"، بل إلى "كيف نستعيد مكاننا في حركة العالم".

 

استكمال المحور الأول: لحظة الانكسار والتحوّل من الفاعلية إلى التلقي.

لم يتوقف شكيب أرسلان عند الإشارة إلى مظاهر الضعف، بل حاول أن يلتقط ما يسميه لحظة الانكسار الحضاري؛ تلك المرحلة التي تحولت فيها الأمة من صانعة للمعرفة إلى مستهلكة لها، ومن مرجعية أخلاقية وفكرية إلى أمة تتلقى المقولات من الخارج دون قدرة على المراجعة والتمحيص.

في فترات القوة كان المسلمون ينتجون العلوم، يعيدون تشكيل الفلسفة اليونانية، يضيفون على الرياضيات ويبتكرون في الطب والفلك. كانت بغداد مركزًا للترجمة، لكنها لم تكن محطة عبور للنصوص، بل محطة إعادة صياغة وبناء. أما حين دخلت الأمة مرحلة التراجع، انقلبت المعادلة: لم تعد لدينا القدرة على إنتاج المعرفة، فصرنا نكتفي بجمعها من الآخرين، ثم انحرفنا خطوة أخرى حين أصبحنا نقف موقف المقلد، لا موقف الشريك.

يشير أرسلان إلى أنّ التعليم كان واحدًا من أبرز الشواهد على هذا الانحدار. فالمناهج التي كانت تنبني على العقل، والمناظرة، وإعمال الفكر، أصبحت تكديسًا للنصوص وحفظًا للكلمات. غاب دور الفلسفة والمنطق، وتقدّمت علوم الجدل على حساب علوم الاكتشاف. فالعقل الذي يُمنع من المضي في السؤال يصبح عقلًا خانعًا، غير قادر على المنافسة.

ويبرز في هذا السياق مفهوم آخر أساسي لدى أرسلان: غياب المشروع السياسي الحضاري. فالأمم لا تنهض بلا رؤية واضحة، ولا تتقدم بلا قيادة تمسك بالأفق لا باللحظة فقط. حين غابت هذه القيادة الفاعلة، تحوّل العالم الإسلامي إلى فسيفساء مجزأة، كل جزء فيها يدور حول نفسه، يستهلك موارده دون استثمارها، ويخشى الغد أكثر مما يصنعه.

في عمق هذا التحليل يدرك أرسلان بأنّ الخلل لم يكن دينيًا بقدر ما كان إنسانيًا، وكانت الأزمة في الفهم لا في النص، وفي التطبيق لا في النظرية. فالدين الذي دعا إلى التفكر والعدل والحرية، جُرّد من أدواته حين تم اختزاله في شعائر لا تُترجم إلى حركة. وحين تتوقف الأمة عن إدراك جوهر القيم وتتمسك بالقشور، تصبح في موقع المفعول به قبل أن تدرك معنى الفعل.

كما يتوسع أرسلان في نقده لظاهرة الاعتماد على المعجزة بدلًا من العمل. فالثقافة التي انتشرت في عصور التراجع جعلت التغيير مرتبطًا بالأماني، لا بالجهد. فالأمم التي تنتظر السماء دون أن تبني أرضها، تفقد موقعها من دون معركة. وهكذا تحوّل الإيمان من طاقة دفع إلى حالة تسليم سلبي، وانطفأت شرارة الاجتهاد التي صنعت عظمة الحضارة ذات يوم.

يرى أرسلان أن هذه التحولات مجتمعة ليست مجرد أعراض، بل هي سياق تاريخي متكامل أدى إلى التراجع. إنها عملية تراكمية، بدأت من اللحظة التي توقف فيها العقل المسلم عن الاعتقاد بأن دوره هو الإضافة لا التلقي، البناء لا الاتكال، التجديد لا التقديس الأعمى.

بهذا المنظور يصبح الانهيار السياسي والعسكري، وما تبعه من استعمار، نتيجة لا سببًا. فالأمة التي تفقد توازنها الداخلي وتقطع صلتها بمشروعها التاريخي تصبح مهيأة للسيطرة، ليس لأنها ضعيفة في العدد، بل لأنها ضعيفة في الوعي.

ما يمهد له هذا المحور هو دخول أكثر جرأة في الأسئلة التالية: هل التأخر مصير محتوم أم اختيار؟ وهل النهضة ممكنة دون مراجعة جذرية لأدوات التفكير ورؤية العالم؟ سيأخذنا أرسلان في المحاور القادمة إلى محاولة تفكيك هذه المعضلات من أجل تحديد الطريق الذي يعيد للأمة دورها الحضاري بعد طول غياب.

تتوالى الفصول لا لتروّج اليأس، بل لتكشف مساحة الأمل التي تنبع من النقد الصادق، ومن الشجاعة في مواجهة الذات قبل مواجهة العالم.

 

استكمال المحور الأول: انهيار المعيار وفقدان الثقة بالذات.

بعد أن يضع أرسلان يده على العوامل الفكرية والأخلاقية التي قادت إلى التراجع، يتعمق في عنصر شديد الحساسية: فقدان الثقة بالذات الحضارية. فالأمم لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريًا، بل حين تتوقف عن الإيمان بقدرتها على صناعة مصيرها. وحين يتحول التاريخ من قوة سند إلى عبء نفسي، يعيش الإنسان داخل ظله بدلًا من السير إلى أمامه.

في القرون التي شهدت التراجع، لم يكن الفقر العلمي وحده هو المشكلة، بل ذلك الشعور الجمعي بأن الماضي هو القمة التي لن تتكرر، وأن كل محاولة للنهضة مجرد محاولة لاستعادة نسخة باهتة مما كان. هذا الشعور قاد إلى الانكماش، وإلى تقديس شكل التاريخ بدلًا من فهم ديناميكيته. بينما أمة كانت تصنع التاريخ، أصبحت تتعامل معه كوثيقة مغلقة لا كمسار مستمر.

في هذه المرحلة صعدت ظاهرة التقليد الأعمى، ليس فقط في الدين، بل في أنماط التفكير، وأنماط الحكم، وحتى في العلاقة مع الآخر. وهنا يلفت أرسلان النظر إلى نقطة شديدة الأهمية: حين يضعف العقل، يزداد سلطان العادة، وتتحول الموروثات إلى قيود بدلاً من أن تكون محركات للوعي.

ثم يأتي عامل آخر يزيد المشهد قتامة: غياب الروح العلمية التي كانت أساس الصعود الحضاري في العصر الذهبي. ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتلمس طريقها في بداية النهضة، كانت الأمة الإسلامية قد توقفت عن التجريب والبحث والابتكار. انطفأت المختبرات التي كانت تتحدى الظواهر الطبيعية، وهدأت الأسئلة التي كانت تقود الفلاسفة والأطباء والجغرافيين إلى اكتشافات العالم.

يصرّ أرسلان على أن هذه اللحظة ليست مجرد توقف عن الإنتاج العلمي، بل هي تحول نفسي عميق. فقد بدأ العقل المسلم يتعامل مع الاكتشاف العلمي كرفاهية، لا كضرورة، وكجزء من الكماليات لا من أساس الحضارة. وهنا اختلّ الميزان بين الإيمان والعمل، بين الفكر والتجربة، بين الرسالة والحياة.

ويصل أرسلان إلى حد القول إن الأمة، في لحظة ما، اعتادت الهزيمة. وعندما تتحول الهزيمة إلى عادة، تفقد النفوس قدرتها على التمرد. فبدلًا من أن تُرى السيطرة الأجنبية على بلاد المسلمين كعار تاريخي، أصبحت تُفهم كأمر طبيعي، وكمشهد لا بد أن يستمر ما دام الداخل عاجزًا عن التغيير.

ومع ذلك، يعيد أرسلان التأكيد أن جذور الأزمة داخلية قبل أن تكون خارجية. فالمحتل لم يدخل إلا بعد أن وجد الأرض ممهدة، والعقل خاملاً، والإرادة منطفئة. الأمة التي لا تعرف قيمة نفسها، سيعرف الآخر قيمة السيطرة عليها. وهذه الحقيقة ليست اعترافًا بالضعف، بل دعوة لاستعادة المعايير التي صنعت يومًا بغداد وقرطبة ودمشق والقاهرة حين كانت مراكز للعلم والقيادة والإنسانية.

في تحليل أرسلان، لم يكن التراجع قدرًا غامضًا، بل مسارًا تاريخيًا قابلًا للعكس. فإذا كانت الأسباب داخلية، فالعلاج يبدأ من الداخل أيضًا: من الوعي، ومن إعادة الاعتبار للعقل، ومن ترميم الثقة التي انكسرت في مرحلة الغفلة والتبعية.

ومع نهاية هذا المحور، لا يدفع أرسلان القارئ نحو جلد الذات، ولا نحو الفخر الأعمى، بل نحو ما يسميه: شجاعة الاعتراف. فالأمم التي تملك الجرأة على مواجهة أخطائها دون تبرير، هي وحدها التي تمتلك القدرة على العودة، لا كماضٍ يتكرر، بل كمستقبل يُصنع من جديد.

المحاور القادمة ستفتح أبوابًا أعمق: أثر الاستعمار، دور النخب، خلل التربية والتعليم، وانعكاس الدين حين يُفهم بغير أدواته. وهكذا ينتقل السؤال من التشخيص إلى التفكير في الطريق المؤدي إلى استرداد ما فقدته الأمة من حضور وتأثير.

 

استكمال المحور الأول: من الانغلاق إلى التبعية الكاملة.

حين يواصل شكيب أرسلان تفكيك جذور التراجع، ينتقل من نقد العقل المتوقف إلى نقد البنية الاجتماعية التي ساهمت في إدامة هذا الجمود. فليس التراجع حادثًا عابرًا، بل حالة تتجذر كلما طال البقاء فيها دون مقاومة. وهنا يظهر مفهوم أخطر في مشروع أرسلان الفكري: انتقال الأمة من مرحلة الانغلاق إلى مرحلة التبعية.

في الانغلاق، يتوقف العقل عن الإبداع لكنه لا يزال يحتفظ بكرامته، أما في التبعية، فإنه يتخلى حتى عن حق الفهم وينتظر أن تُلقى إليه الإجابات من الخارج. هذه النقلة لم تحدث فجأة، بل جاءت نتيجة ضعف أصيل في البنية الذاتية. فالآخر لم يصبح نموذجًا يحتذى إلا بعد أن فقد المسلمون نموذجهم الخاص.

كان العالم الإسلامي، لقرون، مصدرًا للمعرفة، تحتشد فيه الجامعات والمراصد ودور الترجمة. ولما انطفأت تلك الروح، لم يكتفِ العالم الإسلامي بالتوقف عن الابتكار، بل بدأ يستهلك ما ينتجه الآخر دون قدرة على إنتاج نظيره. الترجمة التي كانت فعل مراجعة ومساءلة، تحولت إلى عملية نقل دون تمحيص، فأصبح الفكر الوافد متفوقًا لا لأن جوهره أقوى، بل لأن المتلقي أضعف.

في هذه اللحظة، كما يقول أرسلان، فقدت الأمة مناعة الوعي؛ لم تعد تملك جهازًا فكريًا ينتخب ويرفض ويوازن. صار كل ما يأتي من الخارج مقبولًا ما دام يحمل بريق الحداثة، حتى لو كان يناقض ثوابتها التاريخية أو يسلبها روحها الحضارية.

ويدرك أرسلان أن هذه التبعية لم تكن فكرية فقط، بل امتدت إلى الاقتصاد، والسياسة، والتعليم، والإدارة، وحتى إلى الأذواق. فالأمة التي كانت تصنع نظامها وتصدر قيمها، أصبحت تنتظر النموذج من الخارج ثم تسعى لتقليده بلا قدرة على موازاته. وهكذا لم يكن الاستعمار مجرد احتلال للأرض، بل احتلالًا للخيال، وفرضًا لوعي جديد يرى ذاته أدنى من الآخر وأكثر احتياجًا إليه.

ويذهب أرسلان أبعد من ذلك، ليشير إلى أن بعض المثقفين في مرحلة التراجع لم ينحازوا للإصلاح، بل إلى التبرير. بدلًا من إحياء العقل، اكتفوا بتقديس الماضي أو تمجيد الغرب بشكل مطلق، متناسين أن الحضارة ليست تمجيدًا للتراث ولا افتتانًا بالآخر، بل فعل بناء مستمر.

هذه المرحلة من الانسحاب الذاتي قادت إلى انهيار أخطر: سقوط المعايير والقيم المؤسسة. لم تعد العدالة قيمة مطلقة، بل أصبحت حالة نسبية تحددها المصالح. لم يعد العلم رسالة، بل وسيلة للوجاهة. لم يعد الدين نورًا للعقل، بل إطارًا يُستخدم حينًا للتجميد، وحينًا للسياسة، وحينًا للتبرير.

في مثل هذه البيئة، يصبح الانحطاط طبيعيًا لا صادمًا، ويغدو الاستسلام قدَرًا يُسوَّق على أنه حكمة. أما السؤال الحقيقي في مشروع أرسلان فهو: كيف لأمة أن تستعيد ذاتها وقد فقدت معيارها الداخلي، وفقدت الثقة في قدرتها على التجدد؟

الجواب عنده ليس استعادة الماضي كما هو، ولا محاكاة الآخر دون فهم، بل محاولة شجاعة لإعادة بناء الذات على قيمها الأولى: العقل، العمل، الحرية، والعدل. تلك القيم التي صنعت الحضارة الإسلامية يومًا لا كأيقونة ذهبية بل كواقع ممتلئ بالاختبار والتجربة.

يختم أرسلان هذا المحور بموقف صارم: لا نهضة بلا مواجهة الذات، ولا مواجهة بلا وعي، ولا وعي بلا عقل حر يجرؤ على نقد الماضي كما يجرؤ على نقد الحاضر. عندها فقط يمكن للأمة أن تتنفس خارج دوائر التبعية والإنكار، وتستعيد دورها كفاعل لا كمفعول به، كصانع للتاريخ لا كصفحة هامشية فيه.

المحور التالي سيكمل هذا البناء، منتقلاً من نقد الذات إلى تحليل علاقة الأمة بالغرب وكيف تحول الأخير من منافس حضاري إلى مركز قوة فرض شروطه على أمة فقدت أدواتها ومقاومتها الفكرية.

 

المحور الثاني: مرض الإرادة وفقدان روح العمل.

يتقدم أرسلان في هذا المحور بخطوة جريئة: لم يكن يريد ترف التفسير، بل شجاعة المواجهة. فالعطب في رأيه لم يبدأ خارج الجسد، بل في داخله. الضعف لم يتسلل من جيوش أوروبا، بل من تراخٍ استمر قرونًا في الإرادة، والخلق، والوعي، والعلم. ضعفٌ تربّى في النفس حتى قبل أن يُترجم في الساحات.

يقول أرسلان بصورة تكاد تكون مرآة للواقع المعاصر: إن الأمة التي فقدت خصلة العمل وخصلة الانضباط لا يمكنها أن تنال ما تناله الأمم المجتهدة مهما حفظت من نصوص أو رفعت من شعارات. هنا ليس هجومًا على الدين، بل هجومًا على التأويل الكسول للدين. فالمسلم ـ كما يذكّر ـ لم يؤمر بالانتظار بل بالكدّ، ولم يُدعَ إلى الرضوخ بل إلى عمارة الأرض.

في هذا المحور يكشف أرسلان فجوة مؤلمة بين الخطاب والتطبيق. المسلمون ـ عنده ـ لم يتأخروا لأن الإسلام قيد، بل لأنهم اكتفوا بالانتساب إليه دون أن يتحملوا تكاليفه. تشبه الحالة تاجرًا يفتخر بدفتره القديم، لكنه لم يدخل السوق منذ عشرات السنين. الكتب على الرفوف لا تحرك الأسواق، إنما الأيدي التي تعمل، والعقول التي تبتكر.

ويُفرد أرسلان نقدًا واسعًا لظاهرة الاستعمار الفكري قبل العسكري، إذ يرى أن الهزيمة تبدأ حين يقلد المسلم غيره على طريقته لا على تجاربه. أي حين يستورد الأفكار دون أن يبني لها سياقًا، ويقلد الصناعة دون أن يمتلك معاملها. عدوّ التقدم ليس الغرب، بل التقليد الأعمى للغرب. والتأخر كما يصوره ليس نتيجة صراع ثقافات، بل غياب القدرة على توليد معرفة من الذات.

من زاوية أخرى يستعيد أرسلان صورة المسلم الأولى: ذلك الذي كان يقرأ الكون بفعل، لا بوصف. ينقل العلوم لا كنسخ، بل كتفوق. الفارق الجوهري عنده أن المسلم فقد روح الاجتهاد واستبدلها بالركون. فالفقه الذي كان محركًا للعمران تحوّل إلى جمود، والسلطة التي كان دورها حماية الأمة تحولت إلى تنازع على الحكم، والعلم الذي كان شرط القيادة أصبح للزينة والوجاهة.

ينتقد أرسلان أيضًا مبدأ الاتكالية باسم القدر، وكيف تحوّل المفهوم من معنى التوكل ـ أي أخذ الأسباب ثم ترك النتائج لله ـ إلى تواكل يبرر العجز ويُشرعن التخلف. وبهذه الصيغة القاسية، يقول إن الأمة التي تكسل ثم تتذرع بالقضاء والقدر لا يمكنها أن تلوم إلا ذاتها.

في خلفية هذا المحور تعود أسئلة النهضة الكبرى: هل يمكن لأمة أن تنهض وهي تخاف من النقد؟ وهل ترمم نفسها وهي تُقصي أهل الإصلاح وتستبقي أهل التوريث؟ الجواب عند أرسلان واضح وصارم كحد السيف: لا نهضة بلا محاسبة، ولا عزّة بلا علم، ولا كرامة بلا عمل.

المحور الثاني إذن ليس تحليلاً تاريخيًا فحسب، بل محكمة ضمير. يريد أرسلان للأمة أن تنظر في مرآتها دون رتوش. لا لتحزن، بل لتتعافى. لا لتبكي الماضي، بل لتستعيده بمنهج جديد.

في المسار القادم يتحول السؤال من التشخيص إلى البناء: كيف يمكن للأمة أن تسترجع عقلها الفاعل، وشهوتها للمعرفة، وجرأتها على التجربة؟ هذا الباب سيقودنا إلى جوهر المشروع الأرسلاي: لا عودة لأمجاد الأمس، بل تأسيس لمجد آخر يليق بزمان مختلف.

 

المحور الثالث: الاستعمار كمرآة للضعف الداخلي لا مجرد قوة غازية.

في المحور الثالث يركز أرسلان على الاستعمار بوصفه نتيجة بقدر ما هو سبب. فالغرب، في رؤيته، لم يبتلع الشرق لأن الشرق بريء ومظلوم وقوي، بل لأن تفكك البنية الإسلامية منح الاستعمار فرصة، ومنحه مبررًا، ومنحه حتى شرعية تُصنع عبر خطاب التفوق والتنوير والمدنية. الاستعمار لم يكن مثل الريح الهوجاء، بل أشبه بتلك الفطريات التي لا تنمو إلا في جسد هشّ، رطب، فقد مناعته أولًا.

يذكّر أرسلان هنا بحقيقة مؤلمة: لم يدخل الاستعمار بلاد المسلمين بالقوة وحدها، بل دخل بمزيج من النفوذ الاقتصادي، والتفوق الصناعي، والآلة العسكرية، والأهم دخولًا بالمعرفة والتنظيم. لم تكن قوة الغرب في مدافعه فقط، بل في قدرته على إدارة نفسه، وتوحيد قراراته، وتحديد أهدافه بدقة. بينما كان العالم الإسلامي يستهلك تاريخه أكثر مما ينتجه، ويعيد أمجاده خطابًا لا مشروعًا.

في هذا المحور يكشف أرسلان مفارقة كبرى: ليس الاستعمار هو الذي أفسد المسلمين، بل المسلمون هم الذين سمحوا للاستعمار أن يفسدهم. أي أن الهزيمة بدأت قبل أن تصل السفن، وقبل أن تُرفع الرايات الأجنبية على الأسوار. بدأت حين غاب العلم، وحين ساد الجهل، وحين تحوّل الدين من طاقة بناء إلى وسيلة تبرير للكسل، ومن نظام أخلاقي إلى ملاذ نفسي من تبعات العمل.

ثم يميز أرسلان بين نوعين من الهزيمة: هزيمة السلاح وهزيمة العقل. الأولى قد تُسترد بجيش أو تحالف أو ثورة، أما الثانية فلا تُسترد إلا ببناء جيل جديد يعرف العالم كما هو، لا كما يتمنى أن يكون. جيل يدرس علوم الأمم ليجاريها، لا ليقلدها.

ويمنح أرسلان مساحة واسعة لمفهوم النهضة في سياق الصراع الحضاري، لأن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال أراضٍ، بل محاولة لإعادة صياغة الوعي: ثقافيًا، لغويًا، تربويًا، وتعليميًا. لم يكن الهدف السيطرة على الجغرافيا فقط، بل السيطرة على الإدراك. الأمة المحتلة ليست تلك التي تُنهب مواردها، بل تلك التي تفقد تعريفها لذاتها، وتنسى قدرتها على صناعة مستقبلها.

في هذا الإطار لا يتحدث أرسلان بنبرة الغضب بل بنبرة العالم الذي يضع إصبعه على الجرح: ما حدث للمسلمين ليس استثناء، فالتاريخ مليء بأمم سادت ثم بادت، وأمم خضعت ثم نهضت. لكن الشرط الوحيد للنهوض هو الاعتراف. فلا إصلاح بلا إدراك، ولا خروج من الهامش بلا مواجهة مع الذات قبل مواجهة الآخر.

يدعو أرسلان هنا إلى فهم الغرب لا إلى كراهيته. إلى دراسته لا إلى الشكوى منه. لأن الشكوى ـ كما يقول ـ لا ترفع ظلمًا ولا تصنع حضارة. أمّة تنشغل بالبكاء على خسائرها لن تصنع انتصارًا، وأمّة تلعن الاستعمار دون أن تبني بديلاً ستظل عالقة في خطابات الثأر لا في مشاريع التغيير.

بهذا المحور يصبح السؤال واضحًا ومزدوجًا: ما الذي فعله الاستعمار بنا؟ وما الذي فعلناه بأنفسنا حتى صار الاستعمار ممكنًا؟ هذه الجدلية هي التي أراد شكيب أرسلان أن يواجه بها الوعي العربي والإسلامي، لا كجلد للذات، بل كسبيل إلى استنفارها.

مع المحور الرابع سننتقل إلى البُعد الأكثر حساسية: كيف تحولت الروح الإسلامية من قوة دافعة إلى حالة شعورية بلا فعل؟ وكيف تبدلت العلاقة بين الدين والعمل، بين الإيمان والتاريخ، من معادلة نهضة إلى خطاب انتظار؟ هذا الباب سيحمل النقاش نحو جوهر فكرة الإصلاح في المشروع الأرسلاي، حيث لا قيمة للماضي إن لم يُستثمر، ولا مستقبل إن لم يصنع الآن.

 

المحور الرابع: أسباب التخلف العلمي والفكري.

في هذا المحور، يناقش شكيب أرسلان الأسباب التي أدت إلى تخلف الأمة الإسلامية في ميادين العلم والفكر مقارنةً بالدول الغربية. يبدأ بتسليط الضوء على الركود الفكري الذي أصاب بعض المجتمعات المسلمة نتيجة الانغلاق على التراث دون تطويره أو نقده. يشير إلى أن التمسك بالموروث الديني والاجتماعي بشكل جامد، دون استيعاب المستجدات العلمية والفكرية، أدى إلى تباطؤ الابتكار والتقدم.

أرسلان يوضح أن غياب الحرية الفكرية والتشجيع على البحث العلمي كان أحد أهم العوامل. في حين كانت أوروبا تشهد ازدهاراً في الفكر الحر والبحث العلمي، كان الكثير من العلماء في العالم الإسلامي محصورين في الإطار التقليدي، مما حد من إمكانية التجربة والاستكشاف والتجديد. ويشير إلى أن هذا الانغلاق الفكري لم يكن ناجماً عن الدين نفسه، بل عن السلوك الاجتماعي والسياسي الذي خنق روح الابتكار.

كما يتطرق أرسلان إلى أهمية التعليم وتحديث المناهج، مشدداً على أن العلم بدون منهجية حديثة، أو بدون تطبيق عملي، يفقد تأثيره. ويؤكد أن الأمة بحاجة إلى إعادة النظر في نظامها التعليمي وربطه بحاجات العصر، بحيث يكون العلم أداة لخدمة المجتمع وليس مجرد حفظ للمعارف.

في الختام، يربط أرسلان بين التخلف العلمي والفكري وبين الركود الاقتصادي والاجتماعي، موضحاً أن المجتمعات التي لا تطور علومها وأفكارها لا يمكنها المنافسة في مجالات التجارة والصناعة والتقنيات الحديثة. ويختم المحور بدعوة صريحة إلى الانفتاح على التجديد العلمي والفكري والتعلم من التجارب العالمية دون التخلي عن الهوية الثقافية والدينية.

 

المحور الخامس: التخلف الاقتصادي وتأثيره على المجتمع.

في هذا المحور، يوضح شكيب أرسلان أن التخلف الاقتصادي كان أحد أهم أسباب تأخر الأمة الإسلامية مقارنة بالدول الأخرى. يبدأ بتحليل كيفية ارتباط الاقتصاد بالعلوم والفكر، مشيراً إلى أن المجتمعات التي تضعف فيها الأنشطة الاقتصادية لا تستطيع تمويل البحث العلمي أو التعليم الحديث، مما يؤدي إلى تراجع الابتكار والتطور الاجتماعي.

أرسلان يشدد على أن الاعتماد على الطرق التقليدية في الإنتاج والتجارة أدى إلى انخفاض الإنتاجية وفقدان القدرة على المنافسة. كما أن غياب الصناعة والتقنيات الحديثة جعل الأمة تعتمد على استيراد المنتجات، بينما كانت الدول الغربية تصنع منتجاتها وتصدرها، مما منحها تفوقاً اقتصادياً كبيراً.

ويناقش المحور أيضاً أهمية إدارة الموارد الطبيعية والبشرية بشكل فعّال. فالدول التي تعرف كيف تستثمر مواردها، وتوجه طاقاتها البشرية نحو التخصص والتطوير، تحقق تقدماً مستداماً. بينما غياب التخطيط الاقتصادي والرؤية المستقبلية في بعض الدول الإسلامية أدى إلى ضياع الفرص وتأخر المجتمع ككل.

كما يربط أرسلان بين التخلف الاقتصادي والركود الاجتماعي والسياسي، موضحاً أن الاقتصاد القوي هو الأساس الذي يقوم عليه التعليم، والصحة، والابتكار، والاستقرار السياسي. ويخلص إلى أن تحقيق النهضة الحقيقية للأمة يتطلب إصلاحاً اقتصادياً شاملاً يواكب التطورات العالمية، مع الاستفادة من الخبرات الأجنبية دون الانفصال عن الهوية الإسلامية.

 

المحور السادس: أسباب تقدم الأمم الأخرى.

في هذا المحور، يحلل شكيب أرسلان العوامل التي أدت إلى تقدم الدول الغربية مقارنة بالأمة الإسلامية، مسلطاً الضوء على الفروق الجوهرية في الفكر، الإدارة، والتعليم، والاقتصاد. يبدأ بتأكيد أن التقدم لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة سياسات واضحة ورؤية استراتيجية اعتمدتها هذه الدول منذ قرون.

أرسلان يشير إلى أن التعليم والبحث العلمي كانا المحرك الأساسي للتقدم في أوروبا، حيث شجعت المجتمعات على التفكير النقدي، التجريب، والابتكار، بينما كان الفكر في بعض البلدان الإسلامية يكتفي بالحفظ والتقليد، دون تحليل أو تطوير. هذه الحرية الفكرية سمحت للأمم الغربية باكتشاف تقنيات جديدة وتحسين الإنتاجية، مما انعكس مباشرة على الاقتصاد والمجتمع.

كما يوضح المحور أن النظم السياسية الفعالة والإدارة الرشيدة لعبت دوراً محورياً. فالدول المتقدمة أنشأت مؤسسات قوية قادرة على تنفيذ السياسات بكفاءة، مع احترام القانون وتعزيز العدالة، مما أتاح بيئة مستقرة للأعمال والعلوم. بالمقابل، الفساد وضعف المؤسسات في بعض الدول الإسلامية عرقل التنمية وأضعف القدرة على المنافسة.

أرسلان يربط التقدم أيضاً بـ الانفتاح على الآخر والتعلم من التجارب العالمية. الشعوب المتقدمة لم تنعزل عن ثقافات وأفكار الآخرين، بل استفادت من الخبرات الأجنبية وطورتها بما يتناسب مع ظروفها، مما أدى إلى التراكم المعرفي والتقني. هذا الانفتاح، بحسب أرسلان، كان عاملاً أساسياً في بناء حضارة حديثة قوية قادرة على التوسع الاقتصادي والتقني.

في نهاية المحور، يؤكد أرسلان أن فهم أسباب تقدم الأمم الأخرى ليس للتقليد الأعمى، بل لاستخلاص الدروس العملية: تعزيز التعليم، تطوير الإدارة، تحديث الاقتصاد، والانفتاح على الفكر الجديد مع المحافظة على الهوية الثقافية. هذه العوامل، إذا توفرت، تمثل السبيل لإعادة الأمة الإسلامية إلى مسار النهضة والتقدم.

 

المحور السابع: سبل النهضة وإعادة الأمة إلى مجدها.

في هذا المحور، يختتم شكيب أرسلان تحليله للأسباب التاريخية لتأخر المسلمين ويعرض الرؤية العملية للنهضة وإعادة الأمة إلى مجدها. يبدأ بالإشارة إلى أن الوعي بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو الحل؛ فلا يمكن إصلاح أي مجتمع دون فهم الأسباب الجوهرية لتأخره وتأمل التجارب الناجحة للأمم الأخرى.

أرسلان يوضح أن النهضة تبدأ من التعليم وتطوير الفكر، حيث يجب على الأمة الإسلامية أن تواكب العلوم الحديثة دون التخلي عن هويتها الدينية والثقافية. ويؤكد أن التجديد العلمي والفكري لا يعني محاكاة الغرب أعمى، بل استيعاب الأساليب المتقدمة وتكييفها مع القيم الإسلامية لتشكيل مجتمع قادر على الابتكار والإبداع.

ثم ينتقل إلى الإدارة والاقتصاد، مشدداً على أن النهضة الاقتصادية تتطلب خططاً استراتيجية، مؤسسات فعالة، واستثماراً حكيماً للموارد البشرية والطبيعية. ويؤكد أن الاقتصاد القوي يشكل قاعدة صلبة للنهوض الاجتماعي والسياسي، ويتيح تمويل التعليم والبحث العلمي والبنية التحتية، وهي عناصر أساسية لأي نهضة حقيقية.

أرسلان يربط بين النهضة والانفتاح على العالم والتعلم من الآخرين، موضحاً أن الأمة التي تغلق أبوابها على التجارب والخبرات العالمية ستظل متأخرة. وفي نفس الوقت، يشدد على حفظ الهوية والقيم الأصيلة لتجنب الانبهار الأعمى بالآخر، فالنهضة الحقيقية هي التي تجمع بين التقدم والتجديد من جهة والتمسك بالهوية من جهة أخرى.

وفي ختام المحور، يقدم أرسلان دعوة صريحة إلى الإرادة والعمل الجماعي: النهضة ليست مسؤولية فردية، بل مهمة المجتمع كله، من حكام وعلماء وشعب. كل عنصر في الأمة يجب أن يساهم في بناء مجتمع متعلم، منتج، مبتكر، وعادل، قادر على المنافسة في العالم الحديث، مع الحفاظ على الروح الإسلامية والثقافة العربية الأصيلة.

 

الخاتمة: استشراف طريق النهضة وإعادة الأمة إلى مجدها.

في خاتمة الكتاب، يركز شكيب أرسلان على أهمية الفهم العميق للأسباب التاريخية لتأخر الأمة الإسلامية، مؤكداً أن إدراك هذه العوامل هو أساس أي إصلاح حقيقي. التأخر لم يكن نتيجة للعجز أو الفشل الذاتي، بل تراكم لعوامل سياسية، تعليمية، اقتصادية، وفكرية تحتاج إلى معالجة واعية.

أرسلان يؤكد أن النهضة الحقيقية تبدأ من التعليم وتطوير الفكر. على الأمة أن تتبنى العلوم الحديثة وأساليب التفكير النقدي، مع المحافظة على الهوية الدينية والثقافية، لتتمكن من المنافسة في ميادين الابتكار والإبداع العالمي. كما يشدد على تطوير الإدارة والاقتصاد: بناء مؤسسات قوية، التخطيط الاستراتيجي، واستثمار الموارد البشرية والمادية بشكل فعال، كلها خطوات أساسية لنهضة شاملة ومستدامة.

الانفتاح على العالم والتعلم من تجارب الأمم الأخرى هو عنصر آخر أساسي. فالشعوب المتقدمة لم تكتف بالبحث الداخلي، بل استفادت من خبرات الآخرين وطبقتها بشكل ينسجم مع قيمها وأهدافها. في الوقت نفسه، يحذر أرسلان من الانبهار الأعمى بالآخر، مؤكداً أن التقدم لا يعني التخلي عن الهوية والثقافة.

ويختم أرسلان بدعوة صريحة إلى الإرادة والعمل الجماعي: النهضة مسؤولية كل فرد في الأمة، من الحكام إلى العلماء والشعب، من أجل بناء مجتمع متعلم، منتج، مبتكر، وعادل. التزام كل عنصر بمسؤولياته يضمن تحقيق تقدم متوازن ومستدام، يعيد للأمة مكانتها بين الأمم.

تعليقات