في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعقد فيه الأحداث وتختلط فيه الحقيقة بالدعاية، يصبح التحليل السياسي ليس مجرد ترف فكري، بل ضرورة لفهم الواقع وتفسيره، والتنبؤ بما سيحدث غدًا.
يأتي كتاب «فن ومهارات التحليل السياسي» للدكتور
مهند العزاوي كدليل فكري وعملي لأولئك الذين يريدون أن يروا أبعد من
العناوين، وأن يفهموا ما وراء التصريحات والخطب والسياسات.
يبدأ الكتاب من فكرة محورية وهي أن السياسة ليست علمًا جامدًا ولا
حدسًا غامضًا، بل هي فنّ مبني على المعرفة، ومهارة تتقاطع فيها الفلسفة مع
المنهج العلمي، والحدس مع التحليل المنطقي.
فالتحليل السياسي – كما يصفه العزاوي – هو عملية تفكيك الظواهر
السياسية والاجتماعية إلى عناصرها الأساسية، وفهم العلاقات التي تربط بينها،
من أجل بناء تصور متكامل يساعد على اتخاذ الموقف الصحيح أو القرار الدقيق.
يتناول الكاتب العلاقة بين التحليل والحدث، موضحًا أن التحليل
لا يكون حقيقيًا إلا إذا تجاوز اللحظة الآنية ليرى الحدث في سياقه التاريخي
والثقافي والاقتصادي. فلا يمكن فهم أزمة سياسية بمعزل عن تراكمات الماضي أو
ديناميات المجتمع أو توازنات القوى الدولية.
ويحذر المؤلف من السطحية التي أصابت التحليل السياسي في عصر الإعلام
السريع، حيث أصبح البعض يظن أن التعليق اللحظي على الأخبار هو تحليل سياسي، بينما
التحليل الحقيقي يتطلب تأنّيًا، وقراءة متقاطعة للمصادر، وقدرة على الربط
المنهجي بين الأسباب والنتائج.
ثم يضع العزاوي إطارًا عامًا لما يسميه “البنية الذهنية للمحلل
السياسي”، مشددًا على أن التحليل لا يصدر من فراغ، بل من عقلية مدرّبة على التفكير
النقدي، والتمييز بين المعلومات والمعرفة، وبين الانطباع والحقيقة. المحلل الجيد
لا يبحث عن الإثارة، بل عن الفهم العميق والمتوازن.
وفي هذا الإطار، يربط المؤلف بين التحليل السياسي والعلوم المساندة
له: علم الاجتماع، والاقتصاد، والنفس، والتاريخ، والإعلام. فكل هذه المجالات تشكل
نوافذ متعددة يرى من خلالها المحلل السياسي المشهد الكامل، ويتجنب الوقوع في فخ
التبسيط أو الانحياز.
التحليل السياسي كما يقدّمه العزاوي هو فن القراءة المركبة للعالم،
حيث لا يوجد حدث بمعزل عن غيره، ولا توجد دولة بمعزل عن النظام الدولي، ولا توجد
سياسة خارج شبكة المصالح. ولذلك، فإن كل تحليل سياسي ناجح يجب أن يكون مبنيًا على المنهجية،
والمعلومة الدقيقة، والعقل الحر.
وفي الختام، يدعونا الكتاب إلى أن نعيد التفكير في الطريقة التي
نستهلك بها الأخبار ونفهم بها السياسة. فبدل أن نكون متفرجين على الأحداث، يمكن أن
نصبح قارئين واعين لها، نحللها ونفككها ونستخلص منها العبر.
إن كنت تسعى لأن تكون أكثر وعيًا بما يدور حولك، وأن تقرأ السياسة كما
تُقرأ الخرائط، لا كما تُروى في النشرات، فتابع هذا الملخص حتى النهاية… ففيه
سنكتشف معًا كيف نفكر كالمحللين، لا كالمتفرجين.
الفصل الأول: ماهية التحليل السياسي.
يفتتح الدكتور مهند العزاوي كتابه من الأساس، من السؤال
الجوهري الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في داخله عمقًا شديدًا: ما هو
التحليل السياسي؟
يرى العزاوي أن التحليل السياسي ليس مجرد نقل أو تفسير للأحداث
الجارية، بل هو عملية معرفية واعية تستند إلى العقل والمنهج والموضوعية،
هدفها فهم الظواهر السياسية في سياقها الكامل، وتقديم رؤية تُمكّن من التنبؤ بما
قد يحدث مستقبلًا.
في هذا السياق، يفرق الكاتب بين المتابع السياسي والمحلل
السياسي؛ فالمتابع يكتفي بملاحقة الأخبار وتحليلها على مستوى الانطباع، بينما
المحلل هو من يتجاوز السطح إلى العمق، من يسأل دائمًا: لماذا
حدث ذلك؟ وما الذي يمكن أن يحدث بعده؟
التحليل السياسي – كما يصفه المؤلف – هو فن قراءة ما بين السطور،
واستيعاب العلاقات الخفية التي تربط الأحداث ببعضها البعض، بحيث تتحول المعلومة
إلى بصيرة، لا مجرد معرفة.
يؤكد العزاوي أن المحلل الحقيقي يشبه الطبيب في تشخيصه؛ فهو لا يكتفي
بملاحظة الأعراض، بل يبحث عن الأسباب الجذرية، ويقارن بين الحالات، ويستعين
بالتاريخ والمجتمع والاقتصاد لفهم ما يجري. ومن هنا تأتي أهمية المنهجية
العلمية في التحليل، لأنها تحمي المحلل من الوقوع في فخ العاطفة أو التسرع.
ويشير الكاتب إلى أن السياسة ليست علمًا دقيقًا، لكنها ليست عشوائية
أيضًا. إنها شبكة من القوى والمصالح والدوافع البشرية، تتقاطع فيها
الاعتبارات المحلية مع الإقليمية والدولية. لذلك فإن التحليل السياسي لا يمكن أن
يقوم على الرأي المجرد، بل على بناء معرفي متكامل يستند إلى الأدلة والمصادر
المتنوعة.
كما ينتقد العزاوي ظاهرة ما يسميه “التحليل الانطباعي”، الذي يعتمد
على المواقف المسبقة أو الانحيازات الأيديولوجية، فيحوّل التحليل إلى تسويق
سياسي أو دعاية. فالتحليل الجاد لا يتبنى موقفًا مسبقًا، بل يبدأ
من الملاحظة، ثم الفهم، ثم التفسير، وصولًا إلى الحكم الموضوعي المدعوم بالمنطق
والبيّنة.
ويستشهد المؤلف بأن كل حدث سياسي – صغيرًا كان أو كبيرًا – هو نتاج
سلسلة من العوامل المتداخلة، منها ما هو ظاهر ومنها ما هو مستتر. ومن ثم فإن
التحليل السياسي أشبه بعملية تنقيب؛ تُزيل الطبقة تلو الأخرى حتى تصل إلى جوهر
الحقيقة.
ثم ينتقل العزاوي إلى الحديث عن خصائص التحليل السياسي الجيد، مؤكدًا
أنه يجب أن يكون شموليًّا ومتوازنًا ودقيقًا.
- الشموليّة: لأن
السياسة لا تحدث في فراغ، بل تتأثر بعوامل اقتصادية وثقافية واجتماعية.
- التوازن: لأن
الانحياز لموقف أو طرف يُفقد التحليل مصداقيته.
- الدقة: لأن
الخطأ في قراءة مؤشر واحد قد يقود إلى استنتاجات مضللة.
ويرى الكاتب أن مهمة المحلل السياسي لا تنتهي عند الفهم، بل تمتد إلى تقديم
الرؤية والاستشراف. فالتحليل الجيد لا يصف الواقع فحسب، بل يتنبأ
بمستقبله بناءً على مؤشرات واقعية ومنطقية. ومن هنا يصبح التحليل السياسي أداة
لصنع القرار، وليس مجرد ترف فكري أو تمرين لغوي.
ويختم العزاوي هذا الفصل بنصيحة ثمينة: أن التحليل السياسي الحقيقي
يتطلب شجاعة فكرية، لأن قول الحقيقة في وجه الضجيج الإعلامي والانحيازات
السياسية يحتاج إلى وعي مستقل وإيمان بالموضوعية.
فالتحليل السياسي، في جوهره، ليس فقط أداة لفهم العالم، بل وسيلة
لحماية العقل من التلاعب والسطحية.
الفصل الثاني: مهارات المحلل السياسي وأدواته.
في هذا الفصل، يأخذنا الدكتور مهند العزاوي إلى عمق الممارسة
العملية للتحليل السياسي، مبيّنًا أن المحلل لا يُولد محللًا، بل يُصنع عبر
التجربة، والقراءة، والانضباط العقلي، والقدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون.
فالتحليل السياسي ليس مجرد تكديس معلومات أو متابعة نشرات الأخبار، بل هو فن تحويل
المعلومة الخام إلى معرفة تحليلية، ومن ثم إلى بصيرة استراتيجية.
يبدأ العزاوي بتأكيد أن المهارة الأساسية للمحلل السياسي هي القدرة
على الفهم العميق للسياق. فكل حدث سياسي له جذور تمتد في التاريخ، وأبعاد
اقتصادية واجتماعية ونفسية، لا يمكن إدراكها إلا عبر نظرة شمولية مترابطة. إن
المحلل البارع لا يرى الحدث في عزلة، بل يضعه داخل منظومة أوسع من القوى والعلاقات
والرموز، تمامًا كما يفعل المؤرخ حين يقرأ صفحة من الماضي ليكشف خلفها قصة كاملة.
ويُشير الكاتب إلى أن من أهم أدوات المحلل هي الملاحظة الدقيقة،
فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما تكون المفاتيح التي تكشف الاتجاهات الكبرى. إن كلمة
قالها زعيم سياسي، أو قرارًا تم تأجيله، أو لقاءً غير معلن، قد تحمل في طيّاتها
دلالات أعمق من خطاب مطوّل أو مؤتمر عالمي. لذلك فالمحلل الناجح لا يكتفي بما
يقال، بل يسأل نفسه دائمًا: ما الذي لم يُقل؟
ثم تأتي مهارة التحليل المنطقي، وهي القدرة على ربط الأحداث
ضمن تسلسل سببي، والتمييز بين ما هو عرضي وما هو جوهري. فالعزاوي يوضح أن العالم
السياسي مليء بالضوضاء والمعلومات المتناقضة، ولا بد للمحلل أن يمتلك القدرة على
التمييز، وأن يستند في قراءته إلى المنطق والبرهان لا إلى الانطباع أو الميول
الشخصية.
ويؤكد العزاوي أن الحياد والموضوعية من أصعب المهارات التي يجب
على المحلل اكتسابها، خصوصًا في عالم مشحون بالعواطف والانقسامات. فالتحليل
الموضوعي لا يعني الحياد الأخلاقي، بل يعني الانحياز للحقيقة، وعدم الانجرار وراء
الميول الفكرية أو الوطنية. فالمحلل الذي يخلط بين رأيه الشخصي وبين استنتاجاته
يفقد دقّته، ويحوّل تحليله إلى دعاية.
ويضيف الكاتب أن المحلل السياسي يجب أن يكون قارئًا نهمًا للتاريخ،
لأن السياسة ليست سوى تكرار لأنماط بشرية قديمة بوجوه جديدة. فهم الحروب،
والتحالفات، وصعود الإمبراطوريات وسقوطها، يمنح المحلل أداة قوية للتنبؤ بمستقبل
الأحداث. فالتاريخ، كما يقول العزاوي، ليس ماضيًا مضى، بل مختبر التجارب
الإنسانية الذي يعيد إنتاج نفسه في كل زمن بشكل مختلف.
ومن الأدوات التي يشدد عليها الكاتب كذلك اللغة والإعلام. فالمحلل
الناجح هو من يفهم لغة الخطاب السياسي، ويدرك دلالات المصطلحات، وكيف يُستخدم
الكلام كسلاح سياسي. فاللغة ليست وسيلة نقل فقط، بل وسيلة توجيه للرأي العام
وصياغة للواقع. ولذلك على المحلل أن يكون حساسًا تجاه الكلمات، نبرة الخطاب،
والتكرار، وما وراء النص من رسائل خفية.
كما يولي العزاوي أهمية خاصة لاستخدام المصادر المتعددة، لأن
الاعتماد على مصدر واحد يعني الوقوع في أسر رؤية محدودة. فالمحلل المحترف يُوازن
بين المصادر الرسمية وغير الرسمية، المحلية والدولية، ويُقارن بين وجهات النظر
المختلفة ليصل إلى أقرب ما يكون للحقيقة. فالحقيقة السياسية – كما يصفها الكاتب – ليست
حجرًا صلبًا، بل فسيفساء من الزوايا والرؤى.
وفي نهاية هذا الفصل، يشدد العزاوي على أن التحليل السياسي الحقيقي لا
يمكن أن ينفصل عن الأخلاق المهنية والمسؤولية المعرفية. فالمحلل
ليس مجرد ناقل أو مفسر، بل هو صانع للرأي وفاعل في تشكيل الوعي الجمعي. ومن هنا
تأتي أهمية أن يتحلى بالصدق، والتجرد، والالتزام بالقيم المعرفية التي تصون
التحليل من الانزلاق نحو التضليل أو المبالغة.
فالتحليل السياسي في جوهره ليس فقط أداة لفهم الواقع، بل فن لرؤية
المستقبل بعين العقل لا بعين العاطفة. إنه دعوة
للتفكير بعُمق في عالم تزداد فيه سرعة الأحداث، حتى لا نصبح أسرى لما يُقال، بل
صُنّاعًا لما يُفكَّر فيه.
الفصل الثالث: التحليل الاستراتيجي والعلاقات الدولية.
في هذا الفصل، يأخذنا الدكتور مهند العزاوي إلى قلب العالم
السياسي بكل تعقيداته وتشابكاته، حيث تتقاطع المصالح وتتنافس القوى، وحيث يُصاغ
مصير الدول على طاولة القرارات لا في ميادين الشعارات. وهنا ينتقل التحليل السياسي
من مستوى الوصف والفهم إلى مستوى أعمق هو التحليل الاستراتيجي، أي القدرة
على قراءة الاتجاهات الكامنة وراء الأحداث، وفهم منطق القوة الذي يحكم العلاقات
بين الدول.
يبدأ العزاوي بتوضيح أن التحليل الاستراتيجي ليس نوعًا من التنبؤ
الغيبي، بل هو بناء تصور علمي مستقبلي يعتمد على فهم الأنماط التاريخية،
ودراسة القدرات والإمكانات، وتحليل سلوك الفاعلين في النظام الدولي. فالمحلل
الاستراتيجي أشبه برسام خرائط للعالم، لا يكتفي بتحديد المواقع، بل يرسم أيضًا التيارات
الخفية التي تحركها.
ويشير الكاتب إلى أن العلاقات الدولية ليست سوى شبكة من المصالح
المتقاطعة، حيث يسعى كل طرف لتعظيم مكاسبه وتقليل خسائره. ولكن هذه المصالح لا
تُدار بالعشوائية، بل وفق استراتيجيات محددة تتأثر بالاقتصاد، والتكنولوجيا،
والجغرافيا، وحتى بالثقافة. ولذلك فإن فهم أي أزمة دولية أو تحالف جديد يتطلب
النظر إليها من عدة زوايا، وعدم الاكتفاء بالقراءة السطحية للأحداث.
كما يؤكد العزاوي أن التحليل الاستراتيجي لا يمكن أن ينفصل عن فهم
البيئة الدولية؛ فهي المسرح الذي تدور فيه الأحداث السياسية. فالنظام العالمي
الحالي، على سبيل المثال، قائم على توازنات دقيقة بين القوى الكبرى، لكنه في الوقت
نفسه مليء بالتناقضات. فهناك صعود قوى جديدة كالصين والهند، وتراجع نسبي في النفوذ
الغربي التقليدي، مما يُعيد رسم خريطة العلاقات الدولية بصورة متسارعة.
وفي هذا السياق، يوضح المؤلف أن المحلل الاستراتيجي عليه أن يتقن
قراءة اللغة السياسية للدول، أي أن يفهم كيف تُرسل الدول رسائلها عبر
المواقف، والاتفاقيات، وحتى عبر صمتها أحيانًا. فكل فعل دبلوماسي يحمل في طيّاته
رسالة، وكل تحرك عسكري أو اقتصادي يعكس نية أو استراتيجية معينة.
ويركّز العزاوي على أهمية ما يسميه “التحليل
متعدد المستويات”، أي النظر إلى الأحداث من مستويات مختلفة:
المستوى المحلي، الإقليمي، والدولي. فالأزمة السياسية في بلد صغير، مثلًا، قد تكون
انعكاسًا لصراع أوسع بين قوى كبرى، كما أن تحالفًا اقتصاديًا بسيطًا قد يكون خطوة
ضمن خطة استراتيجية طويلة الأمد. هذه النظرة المتعددة تمنح المحلل رؤية بانورامية
للعالم، وتمنعه من الوقوع في فخ التبسيط أو الانحياز.
كما يناقش الكاتب العلاقة بين القوة والشرعية في السياسة
الدولية، مبينًا أن القوة وحدها لا تصنع النفوذ، وأن الدول التي تهمل كسب الشرعية
الدولية سرعان ما تجد نفسها معزولة. وهنا يبرز التحليل الاستراتيجي كفنّ موازنة
بين الواقعية السياسية التي تراعي المصالح والقوة، وبين الشرعية
الأخلاقية التي تحفظ صورة الدولة ومكانتها على المدى الطويل.
ويستعرض العزاوي أيضًا دور الإعلام والدبلوماسية العامة كأدوات
استراتيجية في العلاقات الدولية الحديثة. ففي زمن العولمة والاتصال الفوري، لم تعد
القوة تقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الاقتصاد، بل أيضًا بقدرة الدولة على تشكيل
روايتها للعالم والتأثير في الرأي العام الدولي. فالدولة التي تحسن إدارة
صورتها قادرة على كسب نفوذ ناعم لا يقل فاعلية عن النفوذ العسكري.
ويختتم العزاوي هذا الفصل بالتأكيد على أن التحليل الاستراتيجي الناجح
هو الذي يجمع بين الرؤية بعيدة المدى والمرونة الواقعية. فالعالم
في تغيّر دائم، ولا يمكن للمحلل أن يكتفي بقوالب فكرية جامدة أو نماذج قديمة. إن
جوهر التحليل الاستراتيجي هو القدرة على التكيّف مع التغير، وإعادة قراءة المعطيات
باستمرار، والبحث عن الأنماط التي تتكرر خلف الفوضى الظاهرة.
فالتحليل الاستراتيجي – كما يراه العزاوي – ليس مجرد علم للخبراء، بل فن
للعقل الواعي، يمكّننا من فهم كيف تعمل القوة، وكيف تتحرك المصالح، وكيف يمكن
للأفكار أن تغيّر مجرى التاريخ.
الفصل الرابع: أخلاقيات التحليل السياسي ودور الوعي النقدي.
في هذا الفصل، ينتقل الدكتور مهند العزاوي إلى بُعد أكثر عمقًا
وإنسانية في مهنة التحليل السياسي، بُعدٍ يتجاوز تقنيات الفهم والمنهج إلى الضمير
والمعنى.
فبعد أن عرض أدوات ومهارات المحلل، ينتقل هنا إلى الحديث عن أخلاقيات
المهنة، وكيف يمكن للوعي النقدي أن يحفظ التحليل من الانحراف، وأن يجعل من
المحلل السياسي صوتًا للمعرفة لا أداة للتضليل.
يبدأ العزاوي بالتأكيد على أن التحليل السياسي، رغم طابعه العلمي،
يبقى مجالًا يخضع لتأثير القيم والأخلاق. فالمحلل
السياسي ليس مجرد آلة تحسب المعطيات وتستنتج النتائج، بل هو كائن بشري يحمل رؤيته
وموقفه، وله تأثير على الرأي العام. وهنا تكمن خطورة دوره؛ فالكلمة التي يكتبها أو
التحليل الذي يقدّمه قد يُسهم في تشكيل قرارات أو توجيه سياسات أو حتى إشعال
نزاعات. ولذلك فإن المسؤولية الأخلاقية هي جوهر مهنة التحليل.
يُبرز الكاتب الفرق بين المحلل الباحث عن الحقيقة والمحلل
الباحث عن التبرير. فالأول يسعى لأن يرى الواقع كما هو، حتى لو كان مُرًّا أو
مخالفًا لتوجهاته، أما الثاني فيلوّن الوقائع بما يتناسب مع مصالحه أو مع الجهة
التي يخدمها. ويؤكد العزاوي أن التحليل الحقيقي يبدأ عندما يتحرر العقل من قيود
الأيديولوجيا، ويضع الموضوعية قبل الانتماء.
ويحذر المؤلف من ظاهرة شائعة في العالم العربي والعالمي على حد سواء،
وهي تحويل التحليل إلى دعاية. فبدل أن يكون المحلل أداة لفهم الواقع، يصبح أداة
لتزييفه. وهذا الانحراف – كما يصفه – يُفرغ التحليل السياسي من قيمته العلمية،
ويحوّله إلى “صوت السلطة” بدل أن يكون “ضمير المجتمع”. ومن هنا تأتي أهمية بناء
وعي نقدي لدى المحلل نفسه ولدى المتلقي الذي يتابع تحليلاته.
الوعي النقدي – في رأي العزاوي – هو القدرة على التفكير في ما وراء
المعلومة، والتمييز بين التحليل الموضوعي والرأي الموجّه، وبين المعلومة
الموثوقة والشائعة الدعائية. فالمحلل الذي لا يمتلك هذا الوعي يتحول من “قارئ
للمشهد” إلى “متأثر به”. أما المحلل الواعي، فهو من يدرك أنه جزء من بيئة إعلامية
مليئة بالمصالح والأجندات، فيتعامل مع الأخبار كمنقّب عن الحقيقة لا كمستهلك لها.
ثم يتناول الكاتب مسألة الاستقلالية الفكرية، وهي من أبرز
الأخلاقيات التي يجب أن يتحلى بها المحلل السياسي. فالتحليل لا يمكن أن يكون
صادقًا إذا كان مقيّدًا بولاءات سياسية أو مصالح مالية أو اعتبارات شخصية.
الاستقلالية – كما يصفها العزاوي – ليست ترفًا، بل شرط أساسي لبناء الثقة بين
المحلل وجمهوره. فالمتلقي يستطيع أن يميز بسرعة بين من يكتب بعقله ومن يكتب
بإملاءٍ من جهة ما.
ويُبرز المؤلف جانبًا مهمًا آخر هو أخلاق المعلومة. فالمحلل
السياسي يتعامل مع بيانات حساسة، وأحيانًا مع معلومات غير منشورة. لذلك عليه أن
يوازن بين حرية التعبير ومسؤوليته تجاه الأمن القومي والمصلحة العامة. فليس كل ما
يُعرف يجب أن يُقال، وليس كل ما يُقال يجب أن يُقال بطريقة تثير الفوضى أو تُضلل
الجمهور.
كما يؤكد العزاوي على أهمية اللغة الأخلاقية في التحليل. فالكلمات
– كما يقول – تصنع الصور الذهنية، والعبارات يمكن أن تشعل النزاعات أو تهدئها.
فحين يستخدم المحلل لغة متوازنة ومحترمة، فإنه يسهم في رفع الوعي، بينما الخطاب
العدواني أو المتحيز لا ينتج إلا الكراهية والانقسام.
وفي هذا السياق، يشدد الكاتب على ضرورة أن يمتلك المحلل ما يسميه "النزاهة
الفكرية"،
أي أن يعترف بحدود معرفته، وألا يدّعي اليقين فيما لا يعلم، وألا يتسرع في إطلاق
الأحكام دون أدلة. فالمحلل الصادق ليس من يملك كل الإجابات، بل من يعرف كيف يطرح
الأسئلة الصحيحة.
ويختتم العزاوي هذا الفصل برؤية فلسفية عميقة: أن الأخلاق ليست
قيدًا على الفكر السياسي، بل ضمانة لحريته. فالمحلل الذي
لا يُقيّد نفسه بالضمير، سيُقيّده الآخرون بالمصالح. وحده المحلل الأخلاقي هو الذي
يستطيع أن يرى الحقيقة دون تشويه، وأن يخدم مجتمعه دون أن يخون قلمه.
فالتحليل السياسي ليس فقط بحثًا في الوقائع، بل رحلة في الوعي
الإنساني، بين ما يجب أن يُقال وما يمكن أن يُقال، وبين ما يُرضي السلطة وما
يُرضي الضمير.
الفصل الخامس: التحليل السياسي في البيئة الإعلامية المعاصرة.
في هذا الفصل، يأخذنا الدكتور مهند العزاوي إلى قلب التحديات
التي يواجهها التحليل السياسي في زمن الإعلام الرقمي، حيث تختلط الحقيقة بالضوضاء،
والمعلومة الدقيقة بالخبر السريع، والرأي الموضوعي بالدعاية المقنّعة. يصف الكاتب
هذا العصر بأنه زمن الوفرة المعلوماتية والفقر المعرفي؛ إذ أصبح الوصول إلى
البيانات أسهل من أي وقت مضى، لكن القدرة على فهمها وتحليلها بعمق أصبحت أكثر ندرة.
يبدأ العزاوي بتوصيف التحول الجذري الذي أحدثته الثورة الإعلامية
والاتصالية في بنية المجال السياسي، فبعد أن كان التحليل يعتمد على المصادر
الأكاديمية والبحثية، أصبح اليوم أسيرًا لتدفّق هائل من المعلومات الفورية التي
تصل عبر المنصات الرقمية. ومع هذا التغير، لم يعد المحلل السياسي مجرد باحثٍ في
المكاتب، بل أصبح لاعبًا في ساحة مفتوحة، يتفاعل فيها مع جمهور واسع ومتنوع،
ويُحاسب لحظيًا على آرائه ومواقفه.
ويشير الكاتب إلى أن البيئة الإعلامية الجديدة خلقت نوعًا من "التنافس
على الانتباه"، لا على الحقيقة. فالقيمة لم تعد للمعلومة
الدقيقة، بل للعبارة الأكثر إثارة، أو العنوان الأكثر جاذبية، أو الرأي الأكثر
تطرفًا. في ظل هذا الواقع، يصبح المحلل أمام معضلة صعبة: كيف يمكن أن يحافظ على
عمقه العلمي وصدقه الفكري دون أن يخسر تفاعله مع الجمهور الذي يبحث عن السرعة
والانفعال أكثر من الفهم والتأمل؟
العزاوي يلفت النظر إلى أن هذه البيئة الجديدة تتطلب من المحلل مهارات
إعلامية موازية للمهارات التحليلية. فالمحلل المعاصر لا بد أن يجيد التواصل بلغة
الجمهور، دون أن يُفرّط في مضمون أفكاره. يجب أن يعرف كيف يبسط المعلومة دون أن
يُسطّحها، وكيف يثير الاهتمام دون أن يسقط في الاستعراض.
ويتوقف الكاتب عند ظاهرة الإعلام الموجّه، الذي يوظّف المحللين
لخدمة أجندات سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية. في هذا السياق، يصبح التحليل أداة
لتزييف الوعي بدل تنويره، وتُختزل مهمة المحلل في تبرير القرارات أو مهاجمة
الخصوم. وهنا يبرز التحدي الأخلاقي الذي ناقشه في الفصل السابق: كيف يمكن للمحلل أن
يبقى حرًّا في فضاءٍ مشبع بالضغوط؟
ويؤكد العزاوي أن الحل يكمن في الاستقلالية المهنية والوعي
الإعلامي.
فالمحلل الحر لا يسمح بأن يُستخدم، بل يستخدم أدوات الإعلام لنقل فكرٍ
متوازن ومسؤول. أما الوعي الإعلامي، فهو إدراك بنية الخطاب الإعلامي وأساليبه في
التلاعب بالعقول، من خلال اختيار الكلمات والصور والزوايا. فكل مادة إعلامية – كما
يقول الكاتب – تحمل رسالة خفية، وعلى المحلل أن يمتلك العين النقدية القادرة على
كشفها.
ثم يتناول المؤلف تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي أعادت
تشكيل العلاقة بين المحلل والجمهور. فالمحلل لم يعد صوتًا من على المنابر
التقليدية، بل أصبح جزءًا من النقاش اليومي في فضاء رقمي مفتوح. وهذا التغيير، رغم
ما يحمله من فرص للتواصل والتأثير، إلا أنه يفرض مسؤولية أكبر؛ إذ إن خطأ صغير أو
تحليل متسرع يمكن أن ينتشر خلال دقائق ويتحول إلى رأي عام مضلل.
يُشير العزاوي أيضًا إلى ظاهرة "المحللين اللحظيين"،
أولئك الذين يتحدثون في كل القضايا بلا تخصص ولا عمق، مستندين فقط إلى سرعة
المعلومة لا إلى قوة المنهج. ويعتبر هذه الظاهرة خطرًا على الفكر السياسي، لأنها
تخلق انطباعًا زائفًا بأن التحليل مجرد تعليق سريع، بينما هو في حقيقته عملية
عقلية معقدة تتطلب دراسة وبحثًا وتمحيصًا.
ويطرح الكاتب رؤية إصلاحية تتمثل في ضرورة دمج أدوات الإعلام
بالتحليل العلمي. فبدل أن يكون الإعلامي ناقلًا والمحلل مفسّرًا في
مكان آخر، يمكن أن يلتقيا في شخصية واحدة تجمع بين الرؤية الأكاديمية والقدرة على
التواصل. بهذا الشكل يمكن بناء خطاب سياسي متزن، لا يفصل بين المعرفة والجمهور، بل
يربط بينهما بوعي ومسؤولية.
ويختم العزاوي هذا الفصل بالتأكيد على أن التحليل السياسي في البيئة
الإعلامية الحديثة لم يعد مجرد وظيفة فكرية، بل أصبح عملاً ثقافيًا ومجتمعيًا
يساهم في تشكيل الوعي الجمعي. فالمحلل الحقيقي ليس من يتنبأ بالأحداث، بل من يساعد
الناس على فهم سياقاتها. وفي زمن الفوضى المعلوماتية، يصبح صوت التحليل الرصين
نادرًا وثمينًا، لأنه منارة في بحرٍ من الضجيج.
الفصل السادس: أدوات ومنهجيات التحليل السياسي المعاصر.
في هذا الفصل، يسلّط الدكتور مهند العزاوي الضوء على البنية
المنهجية التي يرتكز عليها التحليل السياسي الحقيقي، مميزًا بينه وبين ما يسميه
“الانطباعات السياسية” التي تُبنى على العاطفة أو الحدس أو الميول الشخصية. يؤكد
الكاتب أن التحليل السياسي ليس مجرد قراءة للأحداث أو إبداء للرأي، بل هو عملية
فكرية منظمة تقوم على أدوات محددة، ومنهج علمي يوازن بين الفهم العميق
والتفسير الواقعي.
ينطلق العزاوي من فكرة أساسية وهي أن التحليل السياسي الناجح لا يمكن
أن يتم بمعزل عن المنهجية العلمية. فالمحلل، مثل
الباحث الأكاديمي، يحتاج إلى إطار نظري يُوجّه تفكيره ويمنعه من التشتت وسط كمٍّ
هائل من المعطيات. ولهذا يشير إلى أهمية تحديد الفرضيات، وجمع البيانات، وفهم
السياقات، ثم استخلاص النتائج وفقًا لمعايير موضوعية. هذه الخطوات، وإن بدت
أكاديمية، إلا أنها تُعطي التحليل مصداقية واستقرارًا في وجه التغيرات السريعة
التي تحكم المشهد السياسي.
يتحدث الكاتب بتفصيل عن أدوات التحليل السياسي، فيقسمها إلى
أدوات معرفية، ومنهجية، وتطبيقية. فالأدوات المعرفية تتمثل في الثقافة السياسية
الواسعة التي يجب أن يمتلكها المحلل، وتشمل فهم التاريخ، والنظم السياسية،
والعلاقات الدولية، والاقتصاد السياسي، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع السياسي.
فالمحلل الذي ينظر إلى الحدث بعين واحدة يراه ناقصًا، بينما المحلل الواعي يدرك أن
السياسة هي تقاطعٌ معقّد لمصالح، وهويات، وثقافات، وأيديولوجيات.
أما الأدوات المنهجية، فهي تلك التي تضبط طريقة التفكير والتحليل. مثل
تحليل النظم الذي يدرس الدولة كمجموعة من العناصر المتفاعلة، وتحليل
المصلحة الذي يبحث في الدوافع وراء القرارات السياسية، وتحليل الخطاب
الذي يفكك اللغة المستخدمة في الخطابات الرسمية والإعلامية للكشف عن نواياها
وأهدافها. كما يضيف الكاتب أهمية التحليل المقارن الذي يُمكّن المحلل من
فهم الظواهر السياسية عبر مقارنتها بتجارب مشابهة في دول أو أزمنة أخرى.
أما الأدوات التطبيقية، فهي ما يُترجم الفكر إلى ممارسة، وتشمل جمع
المعلومات من مصادر متنوعة، وإجراء المقابلات، ومتابعة التصريحات الرسمية، وتحليل
الإحصاءات، وقراءة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. وهنا يشير العزاوي
إلى أن المحلل الناجح يجب أن يكون باحثًا وميدانيًا في الوقت ذاته،
فالمعرفة الحقيقية لا تُكتسب من المكاتب فقط، بل من فهم الواقع وملامسته عن قرب.
يؤكد العزاوي أيضًا على ضرورة التمييز بين التحليل الكمي والتحليل
الكيفي.
فالتحليل الكمي يعتمد على الأرقام والبيانات والمؤشرات، مثل نسب
البطالة أو الإنفاق العسكري أو نسب التصويت، وهو مفيد في تقديم صورة دقيقة
وملموسة. أما التحليل الكيفي، فيركز على فهم المعاني والسلوكيات والدوافع، مثل
طبيعة الخطاب السياسي أو مستوى الثقة بين المواطن والدولة. والمحلل المتوازن هو من
يجمع بين النوعين ليقدّم قراءة شاملة للأحداث.
وفي سياقٍ نقدي، يهاجم العزاوي ما يسميه "التحليل
المعلّب"،
وهو التحليل الجاهز الذي يكرر القوالب الفكرية ذاتها دون تجديد أو مراجعة. هذا
النمط من التحليل يفشل في مواكبة الواقع المتغير، لأنه يعتمد على تصورات جامدة لا
تعترف بتبدل السياقات. لذلك يشدد الكاتب على أن التحليل السياسي عملٌ متجدد
باستمرار، يتطلب مرونة فكرية وقدرة على إعادة تقييم الفرضيات عند ظهور معطيات
جديدة.
ويضيف العزاوي أن من أهم ما يميز المحلل المتمرس هو قدرته على التمييز
بين المعلومة والمعرفة. فالمعلومة قد تكون صحيحة لكنها بلا معنى إذا لم
تُوضع في سياقها، أما المعرفة فهي نتاج معالجة المعلومة وربطها بمنظومة أوسع من
الفهم والتفسير. ومن هنا، تصبح وظيفة المحلل ليست فقط في نقل الحقائق، بل في تركيبها
وتفسيرها وتحويلها إلى رؤية تساعد صانع القرار أو القارئ العام على الفهم
العميق للمشهد.
كما يتحدث الكاتب عن أهمية الحياد المنهجي، وهو ما يميز
التحليل العلمي عن الموقف السياسي. فالتحليل لا يعني الحياد الأخلاقي، بل يعني الانحياز
إلى الحقيقة والمنطق، بعيدًا عن الأيديولوجيات أو الولاءات الضيقة. وهذا ما
يمنح التحليل قيمته واستمراريته، لأن المواقف تتغير، أما المنهج فيبقى.
ويختم العزاوي هذا الفصل بتأكيده أن أدوات التحليل ليست غاية في حد
ذاتها، بل وسيلة للوصول إلى الفهم الأعمق، وأن المنهج ليس قالبًا جامدًا بل بوصلة
فكرية تساعد المحلل على السير بثبات في عالمٍ متغير. فكل تحليل ناجح هو في
جوهره جسرٌ بين المعرفة والواقع، بين النظرية والتطبيق، بين ما نعرفه وما
نحتاج أن نفهمه.
الفصل السابع: أنماط المحللين السياسيين ودورهم في صناعة الرأي العام.
في هذا الفصل، ينتقل الدكتور مهند العزاوي من الحديث عن أدوات
التحليل إلى التركيز على من يمارس التحليل نفسه، أي المحلل السياسي،
محاولًا رسم خريطة دقيقة لأنماطهم المختلفة، ودور كلٍّ منهم في تشكيل الوعي
الجماعي وصناعة الرأي العام. فالمحلل السياسي، في نظر العزاوي، لم يعد مجرد مراقب
أو ناقل للأحداث، بل أصبح فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الاتجاهات، وصياغة
التصورات، وتوجيه النقاش العام داخل المجتمعات.
يرى الكاتب أن التحليل السياسي الحقيقي هو فنٌّ وفكر ومسؤولية،
وليس مجرد وظيفة إعلامية أو أداء استعراضي. فالمحلل السياسي اليوم يعيش في زمنٍ
يتقاطع فيه الإعلام مع السياسة بشكلٍ لم يسبق له مثيل، حيث تحولت الشاشات ومنصات
التواصل إلى ساحاتٍ للصراع الرمزي بين الخطابات والمصالح. ومن هنا، أصبح من
الضروري التمييز بين المحلل الذي يُثري الوعي والمعرفة، وبين من يُكرّس الضبابية
ويخدم أجندات معينة تحت غطاء التحليل.
يقسم العزاوي المحللين السياسيين إلى أنماط رئيسية بناءً على
أهدافهم، وأدواتهم، ودرجة وعيهم بالمنهج العلمي. فهناك المحلل الأكاديمي،
الذي يستند إلى المعرفة النظرية والمنهج العلمي الصارم، ويتناول القضايا من زوايا
متعددة دون انحيازات حادة. هذا النوع من المحللين يسعى إلى الفهم قبل الحكم،
ويُعلي من قيمة التحليل كأداة للتنوير لا للتأثير السياسي المباشر.
في المقابل، هناك المحلل الإعلامي، الذي يعمل غالبًا تحت ضغط
السرعة والظهور الإعلامي. وهو الأكثر حضورًا في المشهد العام، لكنه أيضًا الأكثر
عرضة للسطحية والاختزال. وغالبًا ما يكون هذا المحلل محكومًا بخط تحرير القناة أو
الوسيلة التي يعمل فيها، مما يجعله يقدم قراءة موجزة وموجهة أكثر منها علمية. ومع
ذلك، فإن هذا النمط يملك قوة تأثير كبيرة بسبب قربه من الجمهور واتصاله المستمر به.
ويأتي بعدهما المحلل الميداني، وهو الذي يعتمد على الخبرة العملية والاحتكاك المباشر بالواقع، سواء كان ضابطًا سابقًا أو دبلوماسيًا أو مستشارًا سياسيًا. هذا النوع يتميز بواقعية عالية وفهم دقيق للآليات السياسية الداخلية، لكنه قد يفتقر أحيانًا إلى النظرة النظرية الشاملة أو المنهج الأكاديمي المنظم.
ثم يذكر العزاوي نوعًا آخر يسميه المحلل المنحاز أو الدعائي،
وهو الذي يستخدم التحليل السياسي كوسيلة للدفاع عن موقفٍ أو سلطةٍ أو أيديولوجيا
معينة. هذا النمط خطير في نظر الكاتب، لأنه يُفسد المجال العام بتقديمه تفسيرات
مشوّهة تُبنى على الأهواء لا على الأدلة. وغالبًا ما يختلط هذا النوع بالمحلل
الإعلامي في عيون الجمهور، مما يزيد من الالتباس بين التحليل المهني والدعاية
السياسية.
لكن الكاتب لا يكتفي بالتصنيف، بل يدعو إلى نموذجٍ متوازن للمحلل
السياسي، يجمع بين العمق الأكاديمي، والقدرة على التواصل مع الجمهور،
والاستقلال الفكري. فالمحلل الجيد لا يكتفي بفهم السياسة، بل يُحسن ترجمتها
بلغة يفهمها الناس، دون أن يُسطّح المعاني أو يُشوّه الحقائق. هو من يستطيع أن
يبني الجسر بين التعقيد الأكاديمي والتلقي الشعبي، فيجعل السياسة مجالًا للفهم لا
للنفور.
يشير العزاوي إلى أن هذا الدور التواصلي يجعل المحلل شريكًا في صناعة
الرأي العام، سواء أراد أم لم يُرد. فكل تحليل يُقدَّم على الملأ يحمل تأثيرًا
ضمنيًّا على المتلقي، يُعيد تشكيل تصوراته عن الواقع. ومن هنا، تأتي خطورة الكلمة
السياسية، إذ يمكن أن تبني وعيًا نقديًا راقيًا، كما يمكن أن تزرع الانقسام والشك
والعدمية. ولذلك، يشدد الكاتب على أن المحلل الحقيقي هو من يتحمل مسؤولية كلمته،
ويدرك أن ما يقوله ليس مجرد رأيٍ عابر، بل قد يُحدث أثرًا في الوعي الجمعي للأمة.
ويضيف أن العلاقة بين المحلل والجمهور ليست علاقة فوقية، بل علاقة
ثقة وتفاعل.
فالجمهور الذكي قادر على تمييز التحليل الصادق من الموجّه، ومع مرور
الوقت يميل إلى من يُقدّم له المعلومة الموثوقة بلغة عقلانية. ولهذا، فإن رصيد
المحلل الأكبر هو المصداقية، لا الشهرة ولا كثرة الظهور. فالمصداقية تُبنى
ببطء عبر سنوات من الالتزام والاتزان، لكنها تُهدم سريعًا بكلمةٍ واحدة خارجة عن
السياق.
كما يناقش العزاوي تأثير التحولات الرقمية والإعلام الجديد على
دور المحلل السياسي. ففي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد التحليل حكرًا على
الخبراء، بل أصبح ساحة مفتوحة يشارك فيها الجميع. هذا الانفتاح، وإن كان
ديمقراطيًا ظاهريًا، إلا أنه أفرز فوضى معرفية، حيث يختلط التحليل بالمزاج، والرأي
بالخبر، والحقائق بالشائعات. لذلك، يرى العزاوي أن المحلل الحديث عليه أن يتقن
أدوات الإعلام الرقمي دون أن يفقد عمقه أو دقته العلمية، وأن يكون قادرًا على
مخاطبة جمهور متغير بوعي ثابت.
وفي ختام هذا الفصل، يؤكد الدكتور مهند العزاوي أن المحلل السياسي ليس “نجم شاشة”، بل ضميرٌ معرفي للأمة، دوره أن يقرأ ما وراء الأحداث، وأن يقدّم للناس منارة للفهم وسط ضباب الإعلام والسياسة. فكل كلمة تُقال من محللٍ مسؤول يمكن أن تصنع وعيًا، وكل تحليلٍ عميقٍ يمكن أن يوجّه الفكر الجمعي نحو رؤية أكثر اتزانًا وواقعية.
الفصل الثامن: المحددات الأخلاقية للتحليل السياسي ومسؤولية الكلمة.
في هذا الفصل العميق، ينتقل الدكتور مهند العزاوي من عالم
المهارة والمنهج إلى فضاء الأخلاق والمسؤولية، مؤكدًا أن التحليل السياسي
ليس مجرد عملية عقلية أو تقنية، بل هو أيضًا فعل قيمي يحمل في جوهره
مسؤولية أخلاقية تجاه الحقيقة والمجتمع والتاريخ. فالتحليل بلا ضمير، كما يقول،
يشبه البوصلة التي تدور بلا اتجاه، قد تتحرك، لكنها لا تهدي أحدًا إلى الطريق
الصحيح.
يبدأ العزاوي بشرح أن السياسة – رغم كونها مجالًا للمصالح والمناورات
– لا تُعفى من الأخلاق، وأن من يمارس التحليل السياسي عليه أن يُدرك أنه صانع
للوعي العام وليس مجرد مراقب للأحداث. فكل تحليل يُبنى على التضليل أو الإخفاء
أو التزييف يُسهم في انحراف الرأي العام عن مساره الطبيعي. وهنا تتجلى أهمية
الأخلاق كقيدٍ نبيلٍ على حرية التحليل، لا باعتبارها كبحًا للإبداع، بل ضمانة
لصدقه ونزاهته.
يرى الكاتب أن أخلاقيات التحليل السياسي تُبنى على ثلاثة محاور
أساسية:
أولها الصدق، أي الالتزام بعرض الحقيقة كما هي، لا كما يرغب
بها المحلل أو جمهوره. فالمحلل الذي يُجمّل الواقع أو يُشوّهه يفقد مصداقيته،
ويهدم الثقة التي هي أساس العلاقة بينه وبين المتلقي.
وثانيها الإنصاف، أي القدرة على رؤية أكثر من وجهٍ للحقيقة،
وتجنب الانحيازات الشخصية أو الإيديولوجية. فالتحليل العادل لا يُدين ولا يُبرئ
اعتباطًا، بل يُوازن بين المعطيات بعقلٍ باردٍ وضميرٍ حيّ.
أما ثالثها فهو الاحترام، أي احترام عقول الناس ومشاعرهم،
واحترام الخصوصيات الثقافية والوطنية، فلا يجوز للمحلل أن يتعامل مع الجمهور من
علٍ أو أن يستصغر وعيه، بل عليه أن يُحاوره بصدقٍ وتواضعٍ ومعرفة.
ويُشدّد العزاوي على أن التحليل السياسي، إذا افتقد هذه الأخلاق،
يتحول إلى سلاحٍ خطير يُستخدم لتزييف الوعي بدل بنائه. فكم من خطابٍ تحليلي
ساهم في إشعال الفتن، وكم من تعليقٍ غير مسؤول دفع شعوبًا نحو الخوف أو الكراهية
أو اليأس. لذلك فإن مسؤولية الكلمة السياسية لا تقل عن مسؤولية القرار السياسي
نفسه، لأن الكلمة تُمهّد للفعل، وتُبرّر له، وتُعيد تشكيل معناه في أذهان الناس.
ويستحضر الكاتب في هذا السياق أمثلة من الواقع العربي والعالمي، حيث
لعب المحللون دورًا سلبيًا في تضخيم الأحداث أو تبرير العنف أو تسويق سياسات
ظالمة، كل ذلك تحت غطاء “التحليل الموضوعي”. لكنه يوضح أن الموضوعية لا تعني
الحياد الأخلاقي، فأن تكون موضوعيًا لا يعني أن تتساوى عندك الحقيقة والباطل، بل
أن تحترم الحقيقة وتعرضها كما هي، حتى لو كانت مُرّة.
ويذهب العزاوي أبعد من ذلك، فيدعو إلى تأسيس ما يسميه “ميثاق شرف للتحليل السياسي”، يكون بمثابة دستورٍ أخلاقي للمحللين والإعلاميين والباحثين. هذا الميثاق يجب أن يُرسّخ قيم المصداقية، ويُعزز الوعي بدور التحليل في السلم الاجتماعي، ويمنع تحويل التحليل إلى أداة للتحريض أو الدعاية. ويرى أن المؤسسات الأكاديمية والإعلامية مسؤولة عن ترسيخ هذا المبدأ من خلال التدريب والتقويم والمساءلة.
كما يتحدث الكاتب عن الإغراءات التي تواجه المحلل السياسي في
عصر الإعلام الجماهيري، من شهرةٍ ومالٍ ونفوذٍ وضغطٍ سياسي. ويؤكد أن الأخلاق هي
الدرع الوحيدة التي تحمي المحلل من الانزلاق في هذه المصائد. فالمحلل الذي يسعى
إلى رضا السلطة أو الجمهور، بدل رضا ضميره، يفقد استقلاليته تدريجيًا حتى يصبح
مجرد صدى للآخرين.
ويُبرز العزاوي هنا مفهوم الضمير التحليلي، وهو الحالة التي
يصل فيها المحلل إلى درجةٍ من الوعي تجعله يراجع نفسه قبل أن ينطق بكلمة، ويتساءل:
“هل ما سأقوله يعكس الحقيقة؟ وهل يخدم وعي الناس أم يُضللهم؟”. هذا الضمير، في
رأيه، هو ما يفصل بين المحلل الحر والمحلل المأجور، بين الباحث في الحقيقة والبائع
للأفكار الجاهزة.
ويختتم الفصل بتأكيده أن التحليل السياسي هو رسالة بقدر ما هو
مهنة. رسالةٌ تهدف إلى بناء وعيٍ نقديٍ راقٍ يُحرّر العقول من التلقين، ويمنحها
القدرة على رؤية العالم من زوايا متعددة. ومن هنا، فإن المحلل الذي يُخلص لهذه
الرسالة لا يحتاج إلى سلطةٍ تُشرّف اسمه، لأن شرفه يأتي من صدق كلمته ونقاء
قصده.
إن التحليل السياسي الأخلاقي، كما يراه العزاوي، هو مقاومة في وجه
الزيف، وبوصلةٌ في زمن التيه، وصوتُ العقل في بحرٍ من الضجيج. هو التزامٌ
بالمسؤولية الإنسانية قبل أي شيء، لأن من يملك القدرة على تفسير الأحداث، يملك
أيضًا القدرة على توجيه وعي الأمة نحو الصواب أو الخطأ.
الفصل التاسع: تحديات التحليل السياسي في العصر الرقمي والإعلام
الجديد.
في هذا الفصل، يأخذنا الدكتور مهند العزاوي إلى قلب التحوّلات
الكبرى التي يعيشها عالم اليوم، حيث لم يعد التحليل السياسي كما كان في الماضي
علمًا يعتمد على بطء التوثيق ورويّة القراءة، بل أصبح جزءًا من زمن السرعة
والتفاعل اللحظي الذي تصنعه التكنولوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي.
يرى العزاوي أن التحليل السياسي في العصر الرقمي يواجه أكبر اختبار
وجودي في تاريخه، إذ تداخلت الحقيقة بالمعلومة، والمعلومة بالإشاعة، والإشاعة
بالرأي، حتى أصبحت الحدود بين التحليل والتأثير، وبين الفهم والتلاعب، شديدة
الغموض والانسياب.
يبدأ الكاتب بوصف المشهد الإعلامي المعاصر بوصفٍ دقيق: عالمٌ مترابط،
تسوده السرعة، وتُقاس فيه المصداقية بعدد المتابعين لا بعمق الفكرة، وتُستهلك فيه
التحليلات كما تُستهلك الأخبار السريعة. في هذا العالم، كما يقول، لم يعد المحلل
السياسي نجمًا في استوديو، بل أصبح صوتًا في بحرٍ من الضوضاء الرقمية.
وهذا ما يجعل التحدي الأول للمحلل هو التميّز وسط الزحام؛ فكل
شخص يحمل هاتفًا أصبح قادرًا على التعبير، والتعليق، وتقديم رؤيته السياسية. غير
أن هذا الانفتاح الديمقراطي الظاهري حمل في طياته فوضى معرفية هائلة، إذ لم يعد
الجمهور يفرّق بسهولة بين المحلل المؤهل وصاحب الرأي العابر، وبين المعلومة
الموثوقة والخبر المفبرك.
ويشير العزاوي إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت طبيعة
التلقي السياسي جذريًا. فالجمهور اليوم لا ينتظر التحليل بقدر ما يشارك في إنتاجه،
عبر إعادة النشر والتعليق والمناقشة، مما جعل العملية التحليلية تفاعلية
وجماهيرية في آنٍ واحد. غير أن هذه الديناميكية الجديدة تحمل خطرًا كبيرًا: إذ
يمكن أن تتحول إلى دوامة من المبالغات والانفعالات، حيث يسود “التحليل الغاضب” أو
“التحليل الموجّه بالعواطف”، بدل التحليل العقلاني القائم على الأدلة والمعطيات.
من التحديات الكبرى أيضًا ما يسميه الكاتب بـ “الإغراق
المعلوماتي”، فالمحلل اليوم يعيش في بحرٍ من البيانات
التي تتدفّق بلا توقف: صور، مقاطع، تصريحات، تسريبات، تغريدات… وكل ذلك يحتاج إلى فرزٍ
وتحليلٍ ونقدٍ متأنٍ حتى لا يقع في فخّ المعلومات المضللة. فالتحدي لم يعد في
نقص المعلومات كما كان في الماضي، بل في القدرة على تمييز ما هو مهم وموثوق وسط
هذا الطوفان الرقمي.
ثم يتحدث العزاوي عن الذكاء الاصطناعي كأحد التحولات الكبرى
التي تُعيد تشكيل المشهد التحليلي. فبرامج التحليل التنبئي، وخوارزميات الرصد،
وأنظمة تحليل البيانات الضخمة أصبحت تمتلك قدرة مذهلة على تقديم مؤشرات دقيقة
وسريعة، لكنها في الوقت نفسه تُهدّد القيمة الإنسانية للتحليل السياسي القائم على
الفهم والسياق والتجربة. فالمحلل البشري – في رأيه – يجب ألا يتحوّل إلى مفسّرٍ
لبيانات الذكاء الاصطناعي، بل عليه أن يوظف هذه الأدوات لتوسيع أفقه التحليلي، دون
أن يفقد حسّه النقدي واستقلاله الفكري.
ويطرح الكاتب فكرة بالغة الأهمية: أن العصر الرقمي خلق نوعًا
جديدًا من السلطة، هي سلطة “الخوارزمية”. فالمحلل اليوم لم يعد يتحدث فقط إلى
جمهورٍ حرّ، بل إلى جمهورٍ تُحدّد ما يراه الخوارزميات، فتُعلي بعض التحليلات
وتخفي أخرى، بناءً على عوامل الانتشار والتفاعل. وهذا يعني أن المحتوى التحليلي
أصبح خاضعًا لمنطق السوق والانتشار أكثر من خضوعه لمنطق الفكرة والعمق.
ومن هنا يأتي التحدي الأخطر، وهو الموازنة بين الجاذبية والمصداقية. فالمحلل
السياسي المعاصر مضطر لأن يكون جذابًا في طرحه، سريعًا في تفاعله، واضحًا في لغته،
دون أن يُضحّي بالدقة والعمق. ويقترح العزاوي على المحللين أن يتبنّوا أسلوبًا
جديدًا يُسمّيه “التحليل الموجز العميق”، أي تقديم الفكرة بكثافةٍ لفظية قليلة لكن
بمعنى كثيف، يختصر التعقيد دون أن يُسطّحه.
ويُبرز العزاوي أيضًا تحدي الأمن المعلوماتي، حيث أصبح المحلل
هدفًا لمحاولات الاختراق، والتضليل، وتوظيفه من قبل جهاتٍ ذات مصالح. لذلك يدعو
إلى وعيٍ رقمي متقدّم لدى المحللين، يُمكّنهم من حماية مصادرهم، والتحقق من
الأخبار قبل نشرها، ومقاومة “الإغراء السهل” للسبق الإعلامي الذي قد يُفقدهم
المصداقية.
وفي ختام الفصل، يؤكد العزاوي أن التحليل السياسي في العصر الرقمي
لن ينجو إلا إذا عاد إلى جوهره الإنساني. فالمعرفة
الحقيقية لا تُقاس بسرعة النشر ولا بعدد الإعجابات، بل بقدرتها على إضاءة العقول
وتوسيع مدارك الناس. ويذكّر بأن التكنولوجيا مهما بلغت من قوة، ستظل أداة في يد
الإنسان، وأن التحليل سيبقى فنًا إنسانيًا يعتمد على الوعي، والخبرة، والضمير،
والخيال النقدي.
التحليل في زمن الإعلام الجديد، كما يراه الكاتب، ليس مهمة سهلة، لكنه
أيضًا فرصة عظيمة لإعادة بناء الوعي الجمعي عبر أدوات أكثر انتشارًا
وتأثيرًا. فالمحلل الذي يجيد استخدام هذه الوسائل بذكاءٍ وصدقٍ يمكن أن يكون صوت
الحكمة في زمن الفوضى الرقمية.
الفصل العاشر: آفاق التحليل السياسي ومستقبله في عالمٍ متغيّر.
في الفصل الأخير من كتاب «فن ومهارات التحليل السياسي»،
يقدّم الدكتور مهند العزاوي رؤية استشرافية متكاملة حول مستقبل هذا الفن في
ظل التحوّلات المتسارعة التي يشهدها العالم. فهو لا يكتفي بوصف الحاضر وتشخيص
تحدياته، بل يسعى إلى رسم ملامح الطريق القادم، متسائلًا: كيف يمكن للتحليل
السياسي أن يحافظ على مكانته ودوره في عصرٍ يتبدّل فيه كل شيء بسرعةٍ غير مسبوقة؟
يبدأ العزاوي بتأكيد أن التحليل السياسي سيظل حاجة إنسانية دائمة،
مهما تغيّرت الأدوات أو تطورت التقنيات. فجوهر هذا العلم ليس في الوسائل بل في الوعي
والفهم العميق للسلوك الإنساني والجماعي. التحليل، في
جوهره، هو سعي دائم لفهم الدوافع والمصالح والنوايا وراء الأحداث، وهذا ما لا يمكن
لأي آلة أو خوارزمية أن تقوم به بالعمق نفسه الذي يمتلكه العقل الإنساني. لذلك،
فإن مستقبل التحليل السياسي مرتبط بقدرة المحللين على التجديد الفكري والتأقلم
المنهجي مع التغيرات، دون التفريط في الأصالة المعرفية.
يرى الكاتب أن العالم يسير نحو مرحلة تزاوجٍ بين التحليل الإنساني
والتحليل الآلي. فالمستقبل، كما يتصوّره، لن يكون صراعًا بين
الإنسان والآلة، بل تكاملًا بينهما. فالأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي سيوفّران
كمًّا هائلًا من البيانات والتحليلات الاستشرافية، لكن المحلل السياسي الواعي هو
من سيُضفي عليها المعنى والسياق والتفسير. إنه التزاوج بين "دقّة الآلة"
و"بصيرة الإنسان".
كما يشير العزاوي إلى أن التحليل السياسي في المستقبل يجب أن يتبنّى نهجًا
عابرًا للتخصصات، يجمع بين السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة وعلم
النفس. فالأحداث لم تعد تُفهم بمعزل عن سياقاتها المتشابكة، والعالم اليوم يعيش في
شبكة معقدة من التأثيرات المتبادلة. ولذلك، يدعو الكاتب إلى تكوين محللين
يمتلكون معرفة شمولية وقدرة على الربط بين مختلف العوامل التي تُشكّل المشهد
السياسي العالمي.
ويُحذر العزاوي من خطر "التخصص الضيّق" الذي يجعل بعض المحللين أسرى مجالٍ واحد، عاجزين عن رؤية الصورة الكاملة. فالتحليل المستقبلي، كما يصفه، هو تحليل بنظرة بانورامية، قادرة على الجمع بين التفاصيل الدقيقة والرؤية الاستراتيجية الكبرى. ومن هنا تأتي أهمية إعادة بناء المناهج التعليمية والتدريبية في مراكز البحوث والإعلام لتواكب هذا التحوّل.
من القضايا التي يتناولها أيضًا مسألة أخلاقيات التحليل السياسي. فمع
تزايد النفوذ الإعلامي وتأثير المحللين على الرأي العام وصناع القرار، تبرز الحاجة
إلى ميثاق أخلاقي جديد يُنظّم العلاقة بين التحليل والمصلحة، وبين المعلومة
والتأثير. يرى العزاوي أن مستقبل هذا المجال يتوقّف على مدى التزام العاملين فيه
بمبادئ الحياد، والشفافية، والمسؤولية المعرفية. فالتحليل، في
جوهره، ليس أداة دعائية بل وسيلة لتنوير العقول وصنع وعي متوازن.
ويتحدث الكاتب بإسهاب عن الدور الجديد للمحلل في عالم متعدد
الأقطاب، حيث لم تعد الهيمنة السياسية والاقتصادية محصورة في جهة واحدة. هذا
التعدد سيخلق بيئة خصبة للتحليل السياسي المقارن، وسيجبر المحللين على فهم
الثقافات والأنظمة السياسية المختلفة بعمق أكبر. فالتحليل في المستقبل لن يكون
محليًا فقط، بل عالميًّا متداخلًا، يتطلب فهمًا للعلاقات المتشابكة بين
الدول والشركات والمنظمات العابرة للحدود.
ويختم العزاوي فصله بالتأكيد على أن التحليل السياسي الناجح في
المستقبل لن يعتمد فقط على "ما يعرفه المحلل"، بل على كيف يفكر
المحلل.
فالعصر القادم هو عصر التفكير النقدي، والقدرة على استشراف الاتجاهات
قبل أن تحدث، وتحليل الديناميكيات الخفية خلف الأحداث الظاهرة. ومن يمتلك هذه
المهارة سيكون قادرًا على التأثير في تشكيل الوعي العام والسياسات، لا مجرد
تفسيرها بعد وقوعها.
وفي رؤيته الختامية، يدعو العزاوي إلى بناء جيل جديد من المحللين
العرب، يمتلك أدوات العصر وروح المعرفة الأصيلة، قادر على نقل التحليل
السياسي من حالة التبعية الفكرية إلى مرحلة المبادرة والإبداع. ويرى أن مستقبل
التحليل في العالم العربي مرهون بمدى قدرتنا على تحويل هذا العلم إلى ثقافة عامة،
تُعلّم الناس التفكير النقدي، والتمييز بين الحقيقة والدعاية، والفهم العميق للتاريخ
والسياسة والمجتمع.
إن التحليل السياسي في المستقبل، كما يتصوره العزاوي، لن يكون
مجرد مهنة أو اختصاص، بل رسالة فكرية وإنسانية، تسعى إلى بناء وعيٍ يواكب
التغير ولا يذوب فيه، يفهم العالم ليغيّره، لا ليبرّر فوضاه. وفي هذه الرسالة،
يختتم الكاتب كتابه داعيًا القارئ والمحلل والباحث إلى أن يكونوا شركاء في صناعة
وعيٍ جديد، يُعيد إلى السياسة معناها الأخلاقي والإنساني، ويجعل من التحليل فعلًا
حضاريًا يُسهم في تنوير العقول وإصلاح الواقع.
الخاتمة:
في ختام كتاب "فن ومهارات التحليل السياسي"،
يضع الدكتور مهند العزاوي النقاط على الحروف، ليذكّرنا بأن التحليل ليس
مجرد أداة لفهم ما يحدث، بل هو فن لصناعة الوعي وتوجيه الفكر نحو الحقيقة
amid الضوضاء الإعلامية والتضليل السياسي. فالتحليل
الواعي هو سلاح المعرفة في زمنٍ تُختطف فيه العقول بالمعلومات السطحية والانفعالات
العاطفية.
يُعلّمنا العزاوي أن المحلل السياسي الحقّ لا يكتفي بملاحقة الأحداث،
بل يسعى إلى قراءة ما وراءها، يفهم المعاني قبل أن تُعلن، ويتساءل قبل أن يُصدّق.
هو من يمارس التفكير النقدي كمسؤولية حضارية، لا كترفٍ فكري. فكل مجتمع لا
يُنتج محلليه، سيظل أسير ما يُملى عليه من الخارج.
إن هذا الكتاب لا يقدّم نظريات جامدة بقدر ما يزرع منهجًا في
التفكير، يدعو القارئ إلى أن يكون فاعلًا في فهم واقعه، لا متفرجًا عليه.
فالعالم يتغير بسرعة، والسياسة أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أي وقتٍ مضى، ولا
سبيل للنجاة في هذا البحر المتلاطم إلا بعقلٍ ناقد، وتحليلٍ رصين، ووعيٍ لا يُخدع
بالمظاهر.
التحليل السياسي، كما يراه العزاوي، ليس علمًا للنخبة فقط، بل هو
مهارة لكل من يسعى إلى فهم العالم بعقله لا بعناوين الأخبار.
إنه فن القراءة بين السطور، واستشراف القادم، والتفكير كمن يرى أبعد
من اللحظة.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأعمق لهذا الكتاب هي أن الوعي مسؤولية،
وأن الفهم أمانة. وكل قارئ يُمسك بهذا الكتاب إنما يبدأ رحلة نحو عقلٍ أوسع وأفقٍ
أرحب.
تعليقات
إرسال تعليق