من بين الكتب التي تمزج بين التجربة الروحية والقراءة العميقة للقصص القرآني، يطل علينا كتاب "علّمني موسى" للشيخ سلمان العودة. هذا الكتاب ليس مجرد استعراض لسيرة نبي الله موسى عليه السلام، بل هو رحلة تأملية في ملامحها الإنسانية والدروس التربوية التي يمكن أن تغيّر حياتنا نحن القراء. فالكاتب يتتبع قصة موسى منذ طفولته، مروره بالمحن والابتلاءات، وانتهاءً بقيادته لشعبه، ليقدّم لنا من خلالها دروسًا حية حول الصبر، والإيمان، والشجاعة، وإدارة الأزمات.
أسلوب الشيخ سلمان العودة يتميز بالبساطة والعمق معًا؛ فهو يقترب من
القارئ كصديق، لا كواعظ فقط. يتحدث عن موسى ليس فقط كنبي مُرسَل، بل كإنسان عاش
الخوف، وعرف الغضب، وخاض معارك داخلية وخارجية، لكنه تجاوزها جميعًا بإيمانه
ورباطة جأشه. بهذا المعنى يصبح موسى قدوة قريبة، ليست بعيدة عن واقعنا المليء
بالتحديات.
الكتاب يفتح لنا نافذة على معنى التربية بالقصص، وكيف يمكن لرحلة نبي
عاش قبل آلاف السنين أن تمنحنا مفاتيح لفهم ذواتنا اليوم. ففي كل موقف يمر به موسى
هناك إشارة إلى واقع نعيشه: في الخوف نتعلم الثبات، في الغضب نتعلم ضبط النفس، وفي
مواجهة الطغيان نتعلم أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع.
وما يجعل هذا الكتاب أكثر تميزًا هو أنه يربط بين السرد القرآني
الأصيل والتأملات الإنسانية الحديثة، فيصبح القارئ أمام لوحة متكاملة من الإيمان
والتربية والتنمية الذاتية. إنّه كتاب يساعدك على إعادة النظر في حياتك، ويدعوك
لاكتشاف "الموسى" الكامن في داخلك، أي تلك القوة الداخلية التي تستطيع
أن تنهض بك وسط الانكسارات.
الفصل الأول: ميلاد الأمل في قلب الظلام.
يبدأ الشيخ سلمان العودة رحلته مع موسى عليه السَّلام من لحظة
الميلاد، تلك اللحظة التي تجلّى فيها قدر الله في أحلك الظروف. فقد وُلِد موسى في
زمن كان فيه فرعون قد بلغ في جبروته واستبداده مبلغًا عظيمًا، حتى إنه أصدر أمرًا
بقتل كل مولود ذكر من بني إسرائيل خشية أن يخرج من بينهم من ينازعه ملكه.
وسط هذا الظلام، يولد موسى، وتحتضنه أمّه بقلب يملؤه الخوف والرجاء.
لكنها كانت مُلهمة بوحي رباني، إذ يقول الله تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ
أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي
وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:
7].
هنا نجد درسًا خالدًا: أن أضعف القلوب حين تتوكل على الله تصير أقوى
من جبروت الملوك. فأم موسى التي كانت عاجزة عن حماية ابنها بقدرتها المحدودة،
سلّمته لله، فكان البحر الذي يغرق فيه الناس سفينة نجاة لطفلها الصغير.
ويُصوّر القرآن الكريم كيف جرى الصندوق بموسى حتى وصل إلى قصر فرعون،
الذي كان يبحث عن قتل الأطفال فإذا به يُربِّي بين جدران قصره الطفل الذي سيهدم
عرشه. يقول تعالى:
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ
لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا
خَاطِئِينَ﴾ [القصص: 8].
تربية موسى في بيت فرعون لم تكن مصادفة، بل إعدادًا إلهيًا لقائد
سيجمع بين الحكمة الربانية والخبرة في قصور الملوك. وحتى لا يحرم من حنان أمّه،
ردّه الله إليها برحمته، كما وعدها من قبل. قال تعالى:
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ
عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: 13].
وهكذا، يبدأ موسى حياته برسالة عميقة لكل مؤمن: أن الضعف ليس نهاية
المطاف، بل قد يكون بداية لقدر عظيم، وأن وعد الله لا يُخلف مهما بدا الطريق
مظلمًا.
الفصل الثاني: النشأة في بيت العدو.
بعد أن نجا موسى عليه السلام من القتل بأمر الله، تبدأ مرحلة جديدة في
حياته، وهي مرحلة النشأة في قصر فرعون. إن المفارقة هنا مدهشة بحق: الطفل الذي
أصدر الطاغية أمرًا بقتله، يصبح ساكنًا في بيته، يتربى في كنفه، ويعيش في رعايته!
الشيخ سلمان العودة يتوقف مطولًا عند هذه النقطة، معتبرًا أنها من
أعظم دلائل قدرة الله وتدبيره. فالله – سبحانه – قدّر أن ينشأ موسى في بيئة مغايرة
تمامًا لبيئة قومه بني إسرائيل، ليأخذ من بيت فرعون قوة التربية والعلم ومهارات
القيادة، بينما يحتفظ من أمه وهويته الأصلية بجذور الإيمان والارتباط بقومه.
ويذكرنا الكاتب بقصة التقاء موسى بأمه مجددًا، حيث شاء الله أن يردّه
إليها مرضِعًا بعد أن رفض ثدي النساء الأخريات، فيتحقق وعد الله لها كما جاء في
قوله تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنْ
أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱلْيَمِّ وَلَا تَخَافِي
وَلَا تَحْزَنِيٓ ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:
7].
هنا يظهر بوضوح كيف أن الثقة في وعد الله تصنع المعجزات. أم
موسى لم يكن لديها أي وسيلة مادية لحماية طفلها، لكن يقينها بالله جعلها تنجو به.
والنتيجة أن موسى نشأ بين حضنين: حضن الأم الذي منحه الحنان والإيمان، وحضن القصر
الذي منحه القوة والمعرفة.
ومن خلال هذه الأحداث، يدعونا الشيخ العودة إلى التأمل في حياتنا:
أحيانًا قد نجد أنفسنا في بيئة لا نشعر أنها تناسبنا، أو وسط أشخاص لا يشاركوننا
قيمنا، لكن الله قد يهيئ لنا في تلك البيئات ما يعيننا لاحقًا على أداء رسالتنا.
فموسى لو نشأ فقط بين قومه المستضعفين، ربما ما امتلك الجرأة على
مواجهة فرعون، ولو نشأ فقط في القصر، ربما ما شعر بآلام بني إسرائيل. لكن اجتماع
البيئتين هو ما صنع منه شخصية متكاملة، قادرة على حمل الرسالة.
إنها رسالة واضحة: الله يدبّر حياتك بخيوط قد لا تفهمها الآن، لكنه
يصنع منها لوحة متكاملة ستتضح لك في وقتها المناسب.
الفصل الثالث: الخطأ الأول والرحيل إلى مدين.
تستمر رحلة موسى عليه السلام لتأخذ منحًى جديدًا، ففي شبابه، وبينما
هو في كامل قوته، شهد موقفًا سيترك أثرًا بالغًا في مسيرته. كان يمشي في المدينة
حين وجد رجلًا من قومه بني إسرائيل يستنجد به ضد رجل من المصريين، فتدخل موسى
بدافع الغيرة والعدالة، فضرب المصري ضربة واحدة أردته قتيلًا.
وهنا يقف الشيخ سلمان العودة متأملًا: هذه الحادثة تكشف الطبيعة
الإنسانية لموسى، فهو لم يكن معصومًا من الخطأ في تصرفاته البشرية، لكنه كان سريع
الندم والرجوع إلى الله. وقد عبّر القرآن عن ذلك بوضوح:
﴿فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ
قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ •
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓ ۚ إِنَّهُۥ
هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [القصص: 15-16].
إنها لحظة ضعف بشري، لكنها في الوقت ذاته لحظة صدق مع الله. فموسى لم
يتنصل من خطئه، ولم يبحث عن مبررات واهية، بل بادر مباشرة إلى الاعتراف والاعتذار.
وهنا يكمن الدرس:
الإنسان لا يُقاس بعدم وقوعه في الخطأ، بل بكيفية تعامله معه عندما
يقع.
بعد الحادثة، شعر موسى بالخوف والترقب، وأدرك أن بقاءه في مصر لم يعد
ممكنًا. فجاء القرار الصعب: الرحيل. خرج من أرض نشأته متجهًا إلى مدين، وحيدًا بلا
زاد ولا صحبة، لكنه كان يحمل في داخله زادًا أكبر: يقينه بالله. وقد عبّر القرآن
عن حالته تلك بقوله:
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُ ۖ
قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [القصص:
21].
يعلّق الشيخ العودة على هذا الموقف ليقول إن أحيانًا أخطاؤنا ليست
نهاية الطريق، بل قد تكون بداية جديدة تدفعنا لمسار لم نكن لنسلكه لولاها. فلو
لم تحدث هذه الحادثة، ربما لما خرج موسى إلى مدين، ولما تعرّض لتجارب جديدة ستصقل
شخصيته أكثر.
الرحيل إلى مدين لم يكن هروبًا فقط، بل كان انتقالًا إلى مرحلة نضج
وتكوين جديد. هناك، بعيدًا عن ضجيج القصور ومشكلات بني إسرائيل، سيتعلم موسى معنى
الصبر والعمل الجاد والتواضع. وكأن الله يقول له: قبل أن تواجه فرعون، لا بد أن
تمر بمدرسة الحياة.
الفصل الرابع: موسى في مدين ولقاؤه بشعيب عليه السلام.
يصل موسى عليه السلام إلى أرض مدين بعد رحلة شاقة، منهكًا جائعًا
متعبًا، لكنه لم يستسلم لضعفه. أول ما لفت انتباهه عند بئر مدين مشهدٌ مؤثر:
مجموعة من الرعاة يسقون أغنامهم، وفي زاوية المشهد فتاتان ضعيفتان تنتظران بصمت
حتى ينتهي الرجال ليتمكنا من سقي أغنامهما. هنا تحركت في قلب موسى نُخوة الفطرة
وصفاء الطبع، فتقدم وسقى لهما دون أن يطلب أجرًا أو مقابلًا.
لقد جسّد موسى في هذا الموقف قيمة عظيمة؛ العمل لوجه الله، ومساعدة
الآخرين حتى وأنت في أقصى حالات التعب والمعاناة. ومن هنا يلتقط
الشيخ سلمان العودة درسًا بالغًا: أن إنسانيتك لا تتعطل عند الضيق، بل يظهر جوهرها
الحقيقي عندما تكون ضعيفًا.
بعد أن أتم موسى ما فعل، لم يقف يطلب شكرًا أو يرفع صوته بالمنّ، بل
اعتزل تحت ظل شجرة يرفع أكف الضراعة إلى الله:
﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى
ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٖ فَقِيرٞ﴾ [القصص:
24].
إنها لحظة نقاء، حيث يعلّمنا موسى أن الاحتياج الحقيقي لا يُطلب من
البشر، وإنما من الله. وحتى الخير البسيط الذي قد يأتينا، علينا أن نراه عطاءً منه
وحده.
بعدها جاءت المفاجأة، إذ دعته إحدى الفتاتين ليستضيفه أبوهما الشيخ
الكبير شعيب عليه السلام. وهناك بدأت مرحلة جديدة في حياة موسى: مرحلة الاستقرار
والعمل. عرض عليه شعيب أن يعمل عنده ثماني حجج، وإن أتمها عشرًا فهو من فضله. وهنا
يسلط الشيخ العودة الضوء على حكمة هذا العرض: إنها مدرسة الصبر والمثابرة، حيث
يتعلم موسى معنى أن يكدّ بيديه، وأن يقيم حياته على العرق والجهد لا على ما ورثه
من قصور مصر.
ثم تأتي اللحظة الفاصلة: زواجه بإحدى ابنتي شعيب. وهكذا جمع موسى بين
العمل والاستقرار الأسري، ليكتمل جانب آخر من تكوينه النفسي والاجتماعي. وكأن
القدر يهيئه ليكون قائدًا يعرف معنى المسؤولية على كل المستويات: تجاه نفسه، عمله،
وأسرته.
يقول الشيخ سلمان العودة إن هذه المرحلة أشبه بــ "مدرسة تربية
إلهية"؛ موسى لم يكن بحاجة فقط إلى القوة الجسدية أو الغيرة على الحق، بل كان
بحاجة إلى نضج إنساني كامل: الصبر، الحكمة، التوازن، وتحمل المسؤولية.
وهكذا نرى أن سنوات موسى في مدين لم تكن سنوات ضياع، بل كانت سنوات
إعداد وتطهير وتمهيد قبل المهمة الكبرى التي تنتظره، مواجهة فرعون وتحرير بني
إسرائيل.
الفصل الخامس: الوحي والعودة بالرسالة.
بعد سنوات من الغربة في مدين، وبينما موسى عليه السلام يعيش حياة
هادئة بين عمله ورعاية أسرته، جاءت اللحظة المفصلية التي ستغيّر مجرى التاريخ كله.
لقد آن الأوان ليخرج موسى من طور التهيئة إلى طور الرسالة، من حياة الإنسان العادي
إلى حياة النبي المكلّف.
كان موسى يسير بأهله في طريق العودة إلى مصر، وبينما الليل يحيط بهم
والبرد يشتدّ، أبصر نارًا من بعيد. فقال لأهله كما ورد في القرآن الكريم:
﴿إِذْ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهْلِهِ
ٱمْكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسْتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ
أَوْ جَذْوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل:
7].
لكنها لم تكن نارًا عادية، بل كانت بداية الوحي، بداية اللقاء المباشر
مع الله عز وجل. هناك، على جبل الطور، نودي موسى:
﴿يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ
ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [القصص: 30].
إنها لحظة رهبة وخشوع، يصفها الشيخ سلمان العودة بأنها "نقطة
التحول الكبرى في حياة موسى"، حيث يخلع نعليه تواضعًا وطهارة وهو يسمع النداء
الإلهي. ثم تأتي المعجزة الأولى: عصاه التي كان يتوكأ عليها ويهشّ بها على غنمه،
تتحول بأمر الله إلى حيّة تسعى. فيرتعب موسى، لكن الله يثبته ويأمره ألا يخاف،
فهذه العصا ستكون سلاح رسالته.
ثم تأتي المعجزة الثانية: يده التي يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير
سوء، لتكون علامة أخرى على صدق نبوته.
لكن الموقف الأهم ليس المعجزات بحد ذاتها، بل الحوار العميق الذي دار
بين موسى وربه. فقد كان موسى يخشى المواجهة مع فرعون، ويشعر بضعفه في الكلام. فطلب
من الله أن يشرح صدره وييسر أمره ويجعل له وزيرًا من أهله، أخاه هارون:
﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةٗ مِّن لِّسَانِي •
يَفْقَهُواْ قَوْلِي • وَٱجْعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنْ أَهْلِي • هَٰرُونَ أَخِي •
ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِي • وَأَشْرِكْهُ فِيٓ أَمْرِي﴾ [طه:
27–32].
وهذا الطلب الإنساني يعكس عمق شخصية موسى؛ فهو لا يطلب مجدًا شخصيًا،
بل يطلب العون ليؤدي الرسالة بأمانة، وليكون أكثر قدرة على مواجهة طغيان فرعون.
الشيخ سلمان العودة يرى في هذا الدرس بعدًا عظيمًا: أن القائد الحقيقي
ليس من يعتمد على نفسه وحدها، بل من يطلب المساعدة ويتواضع ليشرك الآخرين في حمل
الرسالة.
وهكذا، خرج موسى من طور الإعداد إلى طور المواجهة. عاد إلى مصر ليس
كالهارب الخائف الذي خرج منها، بل كنبي مؤيد بالمعجزات، حامل لرسالة التوحيد، مرسل
ليقف أمام أعتى طاغية في التاريخ ويقول له بجرأة: "إنني
رسول رب العالمين".
الفصل السادس: المواجهة مع فرعون والسحرة.
ها هو موسى عليه السلام يعود إلى مصر بعد غياب طويل، ليس ذلك الشاب
الخائف الذي خرج منها هاربًا، بل نبيًّا مؤيدًا بالوحي والمعجزات. يدخل على فرعون
في قصره، وفي قلبه يقين بأن الله معه، فيقول له بجرأة:
﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ •
وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾ [النازعات:
18–19].
لكن فرعون، المتجبر في الأرض، لم يستمع، بل استكبر وقال:
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا
وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ • وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي
فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ﴾
[الشعراء: 18–19]. أراد أن يذكّره بقتله للرجل المصري قديمًا ليحرجه أمام الناس،
وليطعن في رسالته.
لكن موسى لم يتهرب من الماضي، بل واجهه بشجاعة، وأوضح أن ما فعله كان
خطأ وقع فيه قبل النبوة، وأنه تاب منه، ثم قال بثبات: ﴿فَفَرَرْتُ
مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ
ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 21].
هذه المواجهة كانت بداية صراع طويل بين الحق والباطل. فرعون لم يرد أن
يخسر هيبته أمام قومه، فاتّهم موسى بالسحر، ودعا لجمع أكبر السحرة في مصر لمبارزة
موسى علنًا أمام الجماهير، ليُظهر للناس أن ما جاء به ليس إلا حيلة.
جاء يوم الزينة، واجتمع الناس من كل مكان. كان المشهد مهيبًا: مئات
السحرة يصطفون بثيابهم وأدواتهم، ومعهم الحبال والعصي التي سيُلقونها أمام أعين
الناس. وبإشارة منهم، تحولت الحبال والعصي إلى ما يشبه حيات تسعى، حتى أوجس موسى
في نفسه خوفًا. لكن الله طمأنه:
﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ
ٱلۡأَعۡلَىٰ • وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا
صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ﴾ [طه:
68–69].
ألقى موسى عصاه، فإذا بها تلقف ما صنعوا جميعًا، لتبطل السحر وتكشف
زيفهم. هنا، وقع التحول المفاجئ: السحرة الذين جاؤوا متحدّين، كانوا أول من آمن
بموسى، فسجدوا لله قائلين:
﴿ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ﴾ [طه: 70].
غضب فرعون غضبًا شديدًا، ورأى في إيمان السحرة تهديدًا مباشرًا لعرشه،
فتوعدهم بالتعذيب والقتل. لكنهم أجابوه بثبات عجيب:
﴿فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقْضِي
هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا﴾ [طه: 72].
هذا المشهد، كما يعلق الشيخ سلمان العودة، يكشف أن الحق حين يُبصره
القلب لا يمكن إنكاره، حتى لو جاء من أفواه السحرة أنفسهم.
ويبين أيضًا أن قوة الإيمان قادرة أن تحوّل أضعف الناس إلى أشجعهم،
وتمنحهم ثباتًا أمام أعظم الطغاة.
وهكذا خرج موسى من هذه المواجهة الأولى منتصرًا، لا بقوة السلاح، ولكن
بقوة الحق، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع بينه وبين فرعون.
الفصل السابع: الابتلاءات والعقوبات على فرعون وقومه.
بعد أن خسر فرعون مواجهته العلنية أمام موسى عليه السلام، وتحوّل
السحرة إلى مؤمنين ثابتين، شعر أن سلطانه يتزلزل. ومع ذلك، لم يخضع للحق، بل ازداد
طغيانًا، وبدأ مرحلة جديدة من المكابرة، رافضًا الاعتراف برسالة موسى رغم وضوح
الآيات.
الله عز وجل لم يترك فرعون وقومه دون إنذار، بل توالت عليهم العقوبات
واحدة تلو الأخرى، لعلهم يتعظون ويعودون إلى رشدهم. هذه الابتلاءات لم تكن مجرد
أحداث طبيعية عابرة، بل كانت آيات بينات، تحمل في كل مرة رسالة تحذير واضحة.
فأول ما ابتلاهم الله به كان السنين، أي سنوات من القحط
والجفاف، حتى ضاقت الأرض بما رحبت، وتوقف الزرع، واشتد الفقر والجوع. ثم جاء نقص
الثمرات، لتزداد المعاناة ويشعروا أن قوتهم الاقتصادية تنهار. ومع كل بلاء،
كانوا يعدون موسى أن يؤمنوا إذا كشف الله عنهم العذاب، لكنهم سرعان ما يعودون إلى
كفرهم إذا رُفع عنهم البلاء؛ ثم أرسل الله عليهم الطوفان، فأغرقت المياه أراضيهم
وزروعهم. وبعدها جاء الجراد، الذي أكل ما تبقى من محاصيلهم، حتى صارت الأرض
خاوية. ثم جاء القُمّل، حشرات صغيرة أفسدت طعامهم وأرهقت حياتهم. وبعدها
جاء الضفادع التي ملأت بيوتهم وآنيتهم ومضاجعهم، حتى صارت حياتهم عذابًا لا
يُطاق. وأخيرًا جاء الدم، فصار ماء النيل – مصدر حياتهم – دمًا أحمر لا
يُشرب.
كل هذه الآيات وردت في قول الله تعالى:
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ
وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٖ مُّفَصَّلَٰتٖ
فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمٗا مُّجْرِمِينَ﴾ [الأعراف:
133].
كان موسى في كل مرة يلجأ إلى الله، فيرفع البلاء رحمة ببني إسرائيل
وحتى بفرعون وقومه، لكنهم سرعان ما يعودون إلى عنادهم وكفرهم. هذه السلسلة من
العقوبات لم تكن تهدف فقط إلى تأديبهم، بل كانت إظهارًا للناس أن الطغيان مهما
بلغ، فهو هش أمام قوة الله.
الشيخ سلمان العودة يتوقف عند هذه الأحداث ليشير إلى أن الأمم حين
تتعنت أمام الحق، وتصر على ظلمها وفسادها، فإنها تُبتلى بما يوقظها من غفلتها. لكن
إن بقيت قلوبها قاسية، فإن هذه الابتلاءات تتحول من فرصة للنجاة إلى مقدمات للهلاك
النهائي.
ويؤكد أن الإنسان قد يمر بابتلاءات فردية شبيهة بما مرّ به قوم فرعون:
قحط في الرزق، أو ضيق في الصحة، أو اضطراب في الحياة. فإن استجاب للابتلاء بإيمان
وصبر، تحوّل البلاء إلى رحمة، وإن قابله بعناد وكفران، صار البلاء نقمة عليه؛ وهكذا،
بينما كان فرعون وقومه يغرقون في سلسلة من العقوبات، كان الله يثبت موسى، ويُظهر
لبني إسرائيل أن نبيهم مؤيد ومُرسل بالحق، وأن ساعة الخلاص قد اقتربت.
الفصل الثامن: الخروج من مصر ومعجزة البحر.
بعد سلسلة طويلة من الابتلاءات والآيات، ورغم وضوح الحق، ظل فرعون
متمسكًا بكبريائه، يرفض أن يذعن لله أو يعترف برسالة موسى عليه السلام. بل زاد على
ذلك قهرًا لبني إسرائيل، يستعبدهم ويثقل كواهلهم، وكأنّ البلاءات لم تكن إلا حطبًا
يزيد من عناده. عندها، جاء الأمر الإلهي لموسى أن يقود قومه إلى الخروج من مصر،
إيذانًا بمرحلة فاصلة من القصة.
تحرك موسى مع بني إسرائيل في ليلة مظلمة، قلوبهم مفعمة بالرجاء والخوف
معًا. كانوا يسيرون على غير هدى في صحراء قاحلة، حتى فوجئوا بأنهم وصلوا إلى شاطئ
البحر. وهناك، وقع المشهد الحاسم: البحر من أمامهم، وجيش فرعون من خلفهم، يقترب
بسرعة بفرسانه وجنوده. ارتبك بنو إسرائيل وقالوا: ﴿إِنَّا
لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61].
لكن موسى، وقد تربى على الثقة بالله منذ أن كان رضيعًا، أجابهم بكلمة
خالدة:
﴿كَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:
62].
في تلك اللحظة جاء الوحي الإلهي: ﴿فَأَوْحَيْنَآ
إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ
فِرْقٖ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:
63].
انشق البحر أمام أعينهم، وصارت مياهه كالجبال الراسخة، ليعبر موسى
وقومه في مشهد عظيم لم يعرف له التاريخ مثيلًا. كانت لحظة الخلاص التي طالما
انتظروها، حيث تحول البحر إلى طريق نجاة، والجند المتربصون إلى مجرد متفرجين على
المعجزة.
لكن فرعون، بعناده وغروره، لم يتوقف عند هذا الحد، بل اندفع خلفهم
بجيشه في نفس الطريق. وهنا جاء الحكم الإلهي: ﴿فَأَغْرَقْنَآ
ءَاخَرِينَ﴾ [الشعراء: 66]. انطبق البحر عليهم جميعًا، وغرق
فرعون وجنوده في لحظة فاصلة، بعد أن كان يزعم الألوهية ويقول: "أنا
ربكم الأعلى".
ويروي القرآن مشهد النهاية بتفصيل مؤثر، حين أدرك فرعون الغرق فقال:
﴿ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا
ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:
90].
لكن الإيمان عند لحظة الغرق لا يُقبل، فجاء الرد:
﴿ءَٯلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ
مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [يونس:
91].
الشيخ سلمان العودة يقف عند هذا المشهد ليبين أن الطغيان مهما بلغ،
فإن له نهاية محتومة، وأن النجاة لا تكون إلا لمن وثق بالله واستجاب له في وقت
السعة، لا في لحظة الغرق واليأس. كما يشير إلى أن البحر الذي كان رمزًا للموت، صار
بأمر الله طريقًا للحياة، ليدرك الإنسان أن الخلاص بيد الله وحده، يقلب الموازين
متى شاء.
وهكذا طويت صفحة فرعون، ونجا موسى وقومه من الاستعباد، لتبدأ مرحلة
جديدة من التحديات في أرض التيه، حيث سيتعلم بنو إسرائيل أن الحرية ليست مجرد خروج
من العبودية، بل مسؤولية تقتضي صبرًا وإيمانًا.
الفصل التاسع: التيه وتجارب بني إسرائيل بعد الخروج.
بعد أن طوى البحر صفحة فرعون وجنوده، ودخل موسى مع بني إسرائيل مرحلة
جديدة، لم يكن الطريق سهلاً كما توقع القوم. صحيح أنهم تحرروا من الاستعباد، لكن
الحرية في ذاتها امتحان يحتاج إلى صبر وتربية وإيمان عميق. هنا يبدأ ما عُرف في
التاريخ بـ مرحلة التيه، التي استمرت أربعين سنة.
في هذه المرحلة، ظهرت حقيقة بني إسرائيل كأمة كانت تحمل آثار العبودية
في نفوسها. فقد اعتادوا الخضوع والخوف، وعندما جاءتهم الحرية لم يعرفوا كيف
يتعاملون معها. أول اختبار لهم كان عندما عبروا البحر ورأوا قومًا يعكفون على
أصنام، فقالوا لموسى: ﴿ٱجْعَل
لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٞ﴾
[الأعراف: 138]. كانت كلماتهم صادمة، تعكس أنهم لم يتحرروا من عبودية الأفكار رغم
تحررهم من عبودية الأجساد.
ثم جاء الامتحان الأكبر عندما أمرهم موسى بدخول الأرض المقدسة، التي
وعدهم الله بها. لكنهم ترددوا وقالوا: ﴿فَٱذْهَبْ
أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ﴾
[المائدة: 24]. رفضوا القتال، وفضلوا الراحة والجمود، رغم أن الله أعد لهم النصر.
عندها، قضى الله عليهم التيه أربعين سنة، لا يستقر لهم قرار، يسيرون في الصحراء
بلا وجهة ثابتة.
ورغم عصيانهم وترددهم، لم يتركهم الله بلا رحمة. فقد أنزل عليهم المنّ
والسلوى طعامًا من السماء، وأظلّهم بالغمام، وفجّر لهم من الحجر ماءً عذبًا يشربون
منه. لكنهم بدل أن يشكروا، تذمروا، وطلبوا من موسى طعامًا آخر: بقولًا وقثاءً
وعدسًا وبصلًا، فقال لهم موسى معاتبًا: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ
ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:
61].
في هذا الفصل، يوضح الشيخ سلمان العودة أن بني إسرائيل لم يفهموا معنى
الحرية؛ فقد خرجوا من عبودية فرعون لكنهم ظلوا أسرى لعاداتهم ومخاوفهم وشهواتهم.
الحرية الحقيقية ليست مجرد كسر القيود الخارجية، بل هي تحرر داخلي من التعلق
بالدنيا ومن الخضوع للهوى.
ومن هنا، فإن التيه لم يكن مجرد عقوبة، بل كان مدرسة قاسية تهدف إلى
إعادة بناء نفوسهم وتربيتهم على الصبر والإيمان. وكأن الله يقول لهم: "لن
تدخلوا الأرض المقدسة حتى تُمحى من قلوبكم آثار العبودية وتتهيؤوا لتحمل المسؤولية".
العودة يربط هذا الدرس بحياة الإنسان اليوم، فيرى أن كثيرًا من الناس
يظنون أن الحرية تعني غياب القيود المادية فقط، لكنهم يظلون أسرى للخوف، أو للمال،
أو للشهوات. وهؤلاء لا يختلفون كثيرًا عن بني إسرائيل في صحراء التيه.
وهكذا، أصبح التيه رمزًا للصراع الداخلي الذي يعيشه كل إنسان حين يخرج
من أسرٍ ظاهر، لكنه لا يتحرر من قيود نفسه.
الفصل العاشر: لقاء موسى بربّه على الطور.
بعد رحلة النجاة والخروج وما تبعها من التيه والتجارب، جاء موعد
اللقاء الأعظم، اللقاء الذي لم يعرف له التاريخ مثيلًا: موسى عليه السلام على
ميعاد مع ربّه. اختار الله موسى من بين قومه ليصعد إلى جبل الطور، ليكلّمه ويمنحه
التوراة هداية ونورًا لبني إسرائيل.
ذهب موسى ملهوفًا، وفي قلبه شوق عظيم إلى هذا اللقاء، وترك قومه مع
أخيه هارون ليقوم على أمرهم. وهناك، في قمة الجبل، وقع الحدث الجليل:
كَلَّمَ الله موسى تكليمًا. نعم،
كان وحيًا مباشرًا بلا واسطة، وهو شرف لم يُعطَ لبشر قبله بهذه الصورة.
أثناء الحوار، اشتاق موسى إلى رؤية ربّه، فقال:
﴿رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:
143].
فجاءه الجواب الإلهي: ﴿لَن
تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ
فَسَوْفَ تَرَىٰنِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا
وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ
وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:
143].
هنا يتوقف الشيخ سلمان العودة مطولًا، مبينًا أن هذا المشهد يحمل
دروسًا عميقة: فالرغبة الفطرية في معرفة الله ورؤيته تسكن قلوب الأنبياء
والمؤمنين، لكنها مرتبطة بعالم الآخرة، أما في الدنيا فالإنسان محدود لا يطيق عظمة
هذا المشهد.
في هذا اللقاء، أعطى الله موسى الألواح التي فيها الهداية والشرائع،
لتكون دستورًا لبني إسرائيل في حياتهم. كان موسى محمّلًا بالرسالة، عائدًا إلى
قومه ليبلغهم ما أنزل الله عليه.
لكن المفارقة المؤلمة كانت في أن قومه، أثناء غيابه، لم يصبروا،
ووقعوا في الفتنة. فقد صنع لهم السامري عجلًا من ذهب، وقال لهم:
﴿هَٰذَآ إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ
فَنَسِيَ﴾ [طه: 88]. فعبدوا العجل وضلوا بعد أن شهدوا كل
المعجزات.
حين عاد موسى ورأى ما فعلوا، امتلأ قلبه غضبًا وحزنًا، وألقى الألواح
من شدة الغيظ، وأخذ برأس أخيه هارون يجره، معاتبًا إياه على تركهم يضلّون. لكن
هارون بيّن أنه حاول منعهم، غير أن القوم استكبروا وكادوا يقتلوه.
هذا المشهد، كما يفسره الشيخ العودة، يكشف أن الإنسان قد يسقط في
أوقات الغياب والفراغ، وأن القلوب الضعيفة تحتاج دائمًا إلى تذكير مستمر. كما
أن القائد الحقيقي – مثل موسى – لا يتهاون في مواجهة الانحراف، حتى لو كان المخطئ
أقرب الناس إليه.
ويشير أيضًا إلى أن هذا الحدث درس لنا نحن البشر: أن الطريق إلى الله
لا يخلو من فتن، وأن الغياب عن المراقبة والذكر يجعل الإنسان فريسة سهلة لشهواته
أو لفتنة الآخرين.
في النهاية، عاد موسى إلى ربّه يتضرع ويتوب عن قومه، سائلاً المغفرة
لهم، ليؤكد أن القائد لا يتخلى عن أمته رغم خطاياها، بل يسعى دائمًا إلى إصلاحها
ورفعها من سقوطها.
الفصل الحادي عشر: موسى والرحلة مع الرسالة والابتلاءات.
بعد أن هدأت عاصفة غضب موسى، وعاد إلى ربّه متضرعًا، بدأ فصل جديد من
رحلته القيادية والدعوية مع قومه. فقد أصبح الآن ليس مجرد نبي أُرسل بالآيات، بل
قائدًا لأمة كاملة تحتاج إلى توجيه دائم، وإلى ترسيخ الإيمان في قلوبها، بعد أن
ظهر ضعفها وتذبذبها عند أول اختبار.
الله سبحانه وتعالى ابتلى بني إسرائيل بسلسلة من المواقف التربوية
التي تكشف حقيقتهم وتدربهم على الثبات. ومن بين هذه الاختبارات، أمرهم بدخول الأرض
المقدسة، الأرض التي وعد الله بها المؤمنين. لكن موقفهم جاء صادمًا، إذ قالوا
لموسى ببرود واستسلام للضعف:
﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا
إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:
24].
هذه الكلمات كانت قاسية، إذ عكست جبنًا وهروبًا من المسؤولية، بينما
هم الذين عاينوا البحر ينفلق أمامهم والمعجزات تحيط بهم. عندها دعا موسى ربّه
قائلاً:
﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي
وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة:
25].
فكان الجزاء أن حُكم عليهم بالتيه في الصحراء أربعين سنة، تربيةً لهم،
وتطهيرًا من ضعفهم، حتى تنشأ جيل جديد قادر على حمل الرسالة، جيل لم يتربَّ على
الذل والجبن، بل على الصبر والاعتماد على الله.
خلال سنوات التيه، عاش موسى معهم صابرًا مرشدًا، يواجه مشكلاتهم
اليومية، ويطلب لهم من الله العون. فحين عطشوا أنزل الله عليهم الماء من الحجر،
وحين جاعوا أنزل عليهم المنّ والسلوى. لكن رغم ذلك، لم يكفّوا عن التذمر والجدال،
حتى تمنّوا العودة إلى حياة مصر بما فيها من بصل وعدس، على حياة الحرية في الصحراء
مع كل ما تحمله من صعوبات.
يرى الشيخ سلمان العودة أن هذه المرحلة من حياة موسى تعلمنا دروسًا
ثمينة:
- أن
القيادة ليست طريقًا مفروشًا بالورود، بل صبر طويل على أمة قد تُخطئ وتُجادل
وتخذل قائدها.
- أن الله
يربي الأمم بالشدائد قبل أن يهبها النصر، فالتيه لم يكن عقوبةً فقط، بل مدرسة
لصناعة جيل جديد.
- أن القائد
المؤمن لا ييأس من قومه مهما أخطأوا، بل يظل يدعو لهم ويبحث عن طرق إصلاحهم.
وهكذا، يستمر موسى عليه السلام في أداء رسالته، ممسكًا بخيط الصبر
والإيمان، مؤمنًا أن النصر الحقيقي لا يُقاس بسرعة الوصول، بل بعمق التربية وثبات
الرسالة.
الخاتمة.
بعد هذه الرحلة الطويلة مع موسى عليه السلام، ندرك أننا لم نكن أمام
قصة تاريخية عابرة، بل أمام مدرسة متكاملة، تُعيد تشكيل وعينا وتربطنا بجوهر
الإيمان. موسى لم يكن مجرد نبي قاد قومه عبر البحر والصحراء، بل كان رمزًا للصبر
في وجه الشدائد، والقيادة في أوقات الفوضى، والثبات حين تتزعزع القلوب.
علّمنا موسى أن الغضب قد يتحول إلى طاقة إصلاح إذا وُجه لله، وأن
الدعاء سلاح الأنبياء حين تضيق السبل، وأن المعجزات لا تصنع الإيمان ما لم يكن
القلب مستعدًا لقبول الحق. رأينا كيف خذله قومه مرارًا، وكيف واجه جبنهم وضعفهم
بالصبر والرجاء، وكيف ظل ثابتًا على رسالته حتى آخر لحظة في حياته.
إن قصة موسى هي مرآة لنا نحن البشر: نخطئ، نتذمر، نضعف، ثم نعود إلى
الله لنطلب العون والهداية. وهي أيضًا تذكرة بأن أعظم القادة هم أولئك الذين يبقون
أوفياء للرسالة حتى لو لم يحصدوا بأنفسهم ثمار جهدهم.
في النهاية، يبقى السؤال لنا جميعًا: ما الذي سنأخذه من دروس موسى إلى
حياتنا اليومية؟ هل سنستسلم للخوف والتردد كما فعل بنو إسرائيل، أم سنمضي في طريق
الإيمان والشجاعة مهما كان صعبًا؟
إذا أثّر فيك هذا الملخص وألهمك بشيء من هذه المعاني الخالدة، لا تنسَ
أن تضغط على زر الإعجاب وتشارك الفيديو مع من تحب، واشترك في القناة لتصلك ملخصات
كتب ملهمة تساعدك على بناء وعيك وفهمك للحياة من جديد.
تعليقات
إرسال تعليق