القائمة الرئيسية

الصفحات

ملخص كتاب التطهير العرقي في فلسطين | إيلان بابه يكشف حقيقة النكبة وتهجير الفلسطينيين عام 1948

 عندما نتحدث عن فلسطين، فنحن لا نتحدث عن أرض فقط، بل عن جرح مفتوح في جسد الإنسانية كلها. جرح يمتد منذ عام 1948، حين لم يكن ما يُسمى بـ"قيام دولة إسرائيل" سوى الوجه الآخر لـ نكبة فلسطين، حيث تحولت قرى عامرة إلى أطلال، ومدن نابضة بالحياة إلى خرائب، وشُرّد مئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال من بيوتهم تحت تهديد السلاح.

لكن ما الذي حدث بالفعل؟ هل كان مجرد حرب طارئة بين جيشين متنازعين؟ أم كان هناك مخطط منهجي ومدروس لطرد شعب بأكمله من أرضه وإحلال شعب آخر مكانه؟

هذا السؤال هو ما يتناوله المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه في كتابه الصادم "التطهير العرقي في فلسطين". واللافت أن بابيه ليس مؤرخًا عربيًا أو فلسطينيًا، بل إسرائيليًا، وهذا ما يجعل شهادته أكثر قوة وإقناعًا، لأنها تأتي من قلب المؤسسة التي طالما حاولت إنكار أو تزييف هذه الحقائق.

يعتمد بابيه في كتابه على وثائق الأرشيف الإسرائيلي نفسه، وعلى شهادات قادة العصابات الصهيونية ووثائق الأمم المتحدة، ليكشف بلا مواربة أن ما جرى في فلسطين عام 1948 لم يكن "حرب استقلال" كما تروّج الرواية الإسرائيلية، بل كان عملية تطهير عرقي كاملة الأركان.

لقد وضع دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، خطة عُرفت باسم خطة دالت، هدفها المباشر كان واضحًا: طرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، وتدمير قراهم، ومحو كل أثر لوجودهم، لزرع دولة جديدة على أنقاضهم.

يصف بابيه تفاصيل هذه المأساة: كيف اجتاحت العصابات الصهيونية القرى الفلسطينية واحدة تلو الأخرى، وكيف ارتُكبت المجازر الجماعية مثل دير ياسين، وكيف هُدمت أكثر من 500 قرية بالكامل، وكيف تحوّل شعب بأكمله إلى لاجئين في مخيمات الشتات.

لكن الكتاب لا يكتفي بسرد الوقائع فحسب، بل يكشف أيضًا التواطؤ الدولي، وصمت القوى الكبرى، وكيف استُبدلت لغة "العدالة والحقوق" بخطاب "الضرورة السياسية" الذي برر جريمة القرن.

إن قراءة هذا الكتاب ليست مجرد رحلة في التاريخ، بل هي مواجهة مع الضمير الإنساني: كيف يمكن للعالم أن يسمح بمثل هذه الجريمة، وكيف استمر الإنكار والتعتيم لعقود طويلة؟

اليوم، ونحن نلخص هذا الكتاب، سنسعى أن ننقل لك صورة شاملة ومفصلة لما كشفه بابيه: من خلفيات المشروع الصهيوني، إلى تفاصيل خطة التطهير العرقي، مرورًا بالمجازر والنكبة، وصولًا إلى آثارها الممتدة حتى يومنا هذا.

 

للإستماع للملخص من هنا:
لتحميل الملخص pdf من هنا:

الفصل الأول: خلفية المشروع الصهيوني وبداية الفكرة.

يبدأ إيلان بابيه كتابه برحلة تعود بنا إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث وُلد المشروع الصهيوني. لم تكن فلسطين في ذلك الوقت أرضًا خالية كما زعمت الدعاية الصهيونية لاحقًا، بل كانت مجتمعًا نابضًا بالحياة: مدن مثل القدس ويافا وحيفا، وقرى زراعية متجذرة في الأرض منذ قرون طويلة. كان الفلسطينيون يعيشون حياة طبيعية، يزرعون ويبيعون ويكتبون ويؤسسون الصحف والمدارس.

لكن في أوروبا، حيث كانت تنمو النزعة القومية اليهودية في ظل موجات الاضطهاد والتمييز ضد اليهود، ظهرت فكرة "العودة" إلى فلسطين باعتبارها "أرض الميعاد". وهكذا بدأ المشروع الصهيوني، مدعومًا من قوى استعمارية كبرى، وعلى رأسها بريطانيا.

منذ البداية، لم يكن الهدف إقامة تعايش بين الفلسطينيين واليهود، بل إحلال شعب مكان آخر. فالحركة الصهيونية كانت تعلم أن فلسطين يسكنها شعب حيّ، وأن قيام "وطن قومي لليهود" لا يمكن أن يتحقق إلا على حساب هذا الشعب. لذلك صيغت الخطة منذ وقت مبكر على أساس أن الحل الوحيد هو إفراغ الأرض من سكانها الأصليين.

هنا يوضح بابيه أن جذور التطهير العرقي ليست وليدة عام 1948 فقط، بل تعود إلى عقود قبل ذلك. فالمؤتمرات الصهيونية الأولى، والكتابات التي أنتجها رواد المشروع، كلها تحمل في طياتها فكرة أن الفلسطينيين "عقبة" يجب تجاوزها. حتى في أدبياتهم الداخلية كانوا يتحدثون بصراحة عن "الترحيل"، بينما يظهرون للعالم وجهًا آخر ناعمًا يتحدث عن "التعايش".

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، ومع حصول بريطانيا على الانتداب على فلسطين، أصبحت الظروف مهيأة لتحقيق هذا المشروع. "وعد بلفور" عام 1917 لم يكن مجرد تصريح سياسي عابر، بل كان إعلانًا رسميًا بأن بريطانيا مستعدة لتسليم أرض ليست ملكًا لها لحركة استيطانية وافدة.

في هذه المرحلة، بدأت ملامح الصراع تتشكل بوضوح: الفلسطينيون الذين رفضوا أن يُمحى وجودهم، والحركة الصهيونية التي تجهز نفسها لتنفيذ خطة طويلة المدى قوامها الاستيطان، السيطرة، والإقصاء.

بابيه يؤكد أن ما حدث في 1948 لم يكن نتيجة "ظروف حرب" كما تزعم إسرائيل، بل هو تتويج طبيعي لفكرة حملتها الحركة الصهيونية منذ ولادتها: أن الأرض يجب أن تكون لليهود فقط، وأن الفلسطينيين لا مكان لهم فيها.


الفصل الثاني: خطة دالت – المخطط الممنهج للتطهير العرقي.

إذا كان الفصل الأول قد وضع الخلفية الفكرية والسياسية للمشروع الصهيوني، فإن الفصل الثاني يدخل بنا مباشرة إلى قلب العملية: خطة دالت (خطة D).
هذه الخطة التي وُضعت في مارس 1948 لم تكن مجرد خطة عسكرية عابرة، بل كانت الوثيقة التأسيسية للتطهير العرقي الذي سيغير وجه فلسطين إلى الأبد.

يشرح بابيه أن العصابات الصهيونية – مثل "الهاغاناه" و"شتيرن" و"إرغون" – كانت قد بدأت عملياتها المسلحة منذ وقت مبكر، لكن خطة دالت كانت بمثابة الأمر المركزي الذي وحّد جميع هذه الجهود. كان الهدف منها واضحًا وبلا أي غموض:

·        تدمير القرى الفلسطينية.

·        طرد سكانها بالقوة.

·        منع عودتهم نهائيًا.

·        إحلال مستوطنين يهود مكانهم.

وقد تمت صياغة الخطة بلغة بيروقراطية تبدو "عسكرية"، لكنها في جوهرها كانت مشروعًا لإفراغ فلسطين من شعبها. فهي لم تتحدث فقط عن "تحييد قوات معادية"، بل عن إزالة سكان مدنيين بالكامل، عبر القتل أو التهجير أو بث الرعب.

يورد بابيه نصوصًا من الخطة نفسها، حيث جاء فيها أوامر بـ "احتلال القرى وتدميرها" و"طرد سكانها إلى ما وراء الحدود". هذه الكلمات ليست قابلة للتأويل، بل تعني بشكل مباشر التطهير العرقي.

وما يجعل الأمر أكثر خطورة أن هذه الخطة لم تُكتب كرد فعل على "هجوم عربي" كما تروج الرواية الإسرائيلية، بل سبقت إعلان الدول العربية دخول الحرب. أي أن الهدف كان مبيتًا، وأن الحرب لم تكن سببًا في التهجير، بل كانت غطاءً لتنفيذ خطة وُضعت مسبقًا.

يؤكد بابيه أن "خطة دالت" هي الحلقة المفصلية التي تثبت أن نكبة فلسطين لم تكن نتيجة ظروف عشوائية، بل نتيجة قرار سياسي وعسكري واعٍ. فهي الخريطة التي رسمت خطوط المجازر الكبرى، من دير ياسين إلى الطنطوره، والتي مهدت لتدمير أكثر من 500 قرية فلسطينية خلال أشهر معدودة.

لقد تحولت القرى الفلسطينية في تلك الفترة إلى مسرح عمليات ممنهجة:

·        اقتحامات مفاجئة في ساعات الليل.

·        قتل جماعي لإرهاب السكان.

·        إحراق البيوت والمزارع.

·        طرد الناجين سيرًا على الأقدام إلى المنافي.

كل ذلك لم يكن عفويًا، بل تطبيقًا حرفيًا لـ خطة دالت.

إذن، نستطيع القول إن هذا الفصل يكشف لنا الوثيقة "القانونية" للتطهير العرقي: لم يكن مجرد فوضى حرب، بل مشروعًا أعدته القيادة الصهيونية وأشرفت على تنفيذه بدقة.


الفصل الثالث: المجازر الجماعية وأدوات الرعب.

بعد أن وضع إيلان بابيه الأساس الفكري والسياسي في الفصل الأول، وكشف عن "خطة دالت" في الفصل الثاني، يأتي في هذا الفصل ليتحدث عن الوجه الدموي المباشر للتطهير العرقي: المجازر الجماعية.

منذ ربيع عام 1948، بدأت العصابات الصهيونية بتنفيذ سلسلة من العمليات التي لم يكن هدفها فقط السيطرة العسكرية، بل بث الرعب المنهجي في نفوس الفلسطينيين. فالمجازر لم تكن أحداثًا عشوائية، بل أداة استراتيجية ضمن الخطة الكبرى: عندما يسمع القرويون عن المذابح في القرى المجاورة، يفرّون بأنفسهم قبل وصول القوات الإسرائيلية، وبذلك يتحقق التهجير بأقل مجهود.

أشهر هذه المجازر وأكثرها تأثيرًا كانت مجزرة دير ياسين (9 أبريل 1948). قرية صغيرة هادئة بالقرب من القدس، لم تكن تشكل تهديدًا عسكريًا يُذكر. ومع ذلك اقتحمتها عصابتا "إرغون" و"شتيرن"، وقتلت ما يقرب من 250 من سكانها، بينهم نساء وأطفال وشيوخ. بعض الضحايا قُتلوا بالرصاص عن قرب، وآخرون ذُبحوا بالسكاكين. ثم جرى التمثيل بالجثث والتجوال بها في شوارع القدس لإرهاب الفلسطينيين.

لم تكن دير ياسين حالة فريدة، بل نموذجًا تكرر في الطنطوره، اللد، الرملة، صفصاف، سُميراميس، وغيرها من القرى. في كل مرة، كان الهدف واحدًا: ترسيخ الرعب كي يهرب الآخرون.

يؤكد بابيه أن هذه المجازر كانت جزءًا من سياسة مدروسة، وليست تصرفات فردية أو "تجاوزات". فالقادة العسكريون كانوا يعرفون تمامًا أن الرعب الجماعي يؤدي إلى النزوح الجماعي.

ولعل أكثر ما يلفت النظر أن هذه المجازر لم تقتصر على القرى النائية فقط، بل طالت المدن أيضًا. في اللد والرملة، مثلًا، طُرد عشرات الآلاف من السكان في مسيرة مرهقة تحت شمس يوليو الحارقة، مات خلالها الكثيرون من العطش والإرهاق.

المجازر إذن لم تكن مجرد جريمة في سياق حرب، بل كانت الأداة المركزية لنجاح خطة دالت. لقد كانت الوسيلة التي ضمنت أن الفلسطينيين لن يقاوموا حتى النهاية، بل سيفرون خوفًا مما قد يحدث لهم إذا بقوا.

والأدهى أن هذه المذابح لم تحظَ بمحاسبة، بل جرى التستر عليها في الإعلام الغربي، وصيغت روايات إسرائيلية لتبريرها باعتبارها "ضرورات عسكرية". بينما الحقيقة – كما يكشف بابيه – أنها كانت سياسة تهجير جماعي مخططة بعناية.


الفصل الرابع: تدمير القرى وطمس الذاكرة الفلسطينية.

بعد أن نفذت القوات الصهيونية عمليات القتل والتهجير الجماعي، لم يكن الهدف فقط إخراج الفلسطينيين من بيوتهم، بل ضمان عدم عودتهم مرة أخرى. وهنا يكشف بابيه عن مرحلة جديدة في المشروع: تدمير القرى الفلسطينية بالكامل وطمس كل أثر يدل على وجودها.

منذ منتصف عام 1948 وحتى بدايات الخمسينيات، قامت القوات الإسرائيلية بتدمير ممنهج لأكثر من 500 قرية فلسطينية. لم تُترك قرية على حالها:

  • البيوت هُدمت بالجرافات أو أُحرقت.
  • المساجد أُهملت أو حُولت إلى مخازن واسطبلات.
  • المقابر نُبشت في بعض الحالات أو تُركت لتندثر.
  • الأراضي الزراعية صودرت وزُرعت مكانها مستوطنات جديدة.

كان الهدف واضحًا: إزالة أي دليل مادي على أن الفلسطينيين كانوا هنا يومًا ما. فإذا عاد اللاجئون بعد أشهر أو سنوات، لن يجدوا شيئًا يعودون إليه.

ويورد بابيه شهادات موثقة لجنود إسرائيليين تلقوا أوامر مباشرة بتسوية القرى بالأرض بعد طرد سكانها. حتى الأشجار المثمرة، كالزيتون واللوز، قُطعت أو أُحرقت كي لا يستفيد منها أحد.

ثم جاءت مرحلة "إعادة التسمية": إذ أُطلقت أسماء عبرية جديدة على القرى الفلسطينية المدمرة، في محاولة لطمس ذاكرتها من الجغرافيا والتاريخ. فـ"صفورية" أصبحت "تسيبوري"، و"يافا" تحولت تدريجيًا إلى جزء من "تل أبيب"، وهكذا.

كان هذا الطمس المادي والثقافي جزءًا أساسيًا من المشروع الصهيوني. فالنكبة لم تكن مجرد تهجير شعب، بل أيضًا محاولة اقتلاع روايته التاريخية. أرادت الحركة الصهيونية أن تُقنع العالم بأن فلسطين كانت "أرضًا بلا شعب"، وأن القرى التي دُمرت لم تكن موجودة أصلًا.

ويؤكد بابيه أن هذا الجانب من التطهير العرقي – تدمير القرى وطمس المعالم – أخطر من القتل والتهجير نفسه. لأن التهجير قد يكون مؤقتًا في التاريخ، لكن حين يُمحى المكان، يُمحى معه الذاكرة، وتُسلب الأمة من جذورها المادية والرمزية.


الفصل الخامس: الحرب النفسية والدعاية الإسرائيلية.

بعد أن استعرض إيلان بابيه مراحل القتل الجماعي والتدمير المادي للقرى الفلسطينية، ينتقل في هذا الفصل إلى جانب آخر لا يقل خطورة: الحرب النفسية والدعاية، التي كانت الذراع الخفية للتطهير العرقي.

فالصهاينة لم يكتفوا بالعمليات العسكرية، بل أدركوا أن الرعب يمكن أن يكون سلاحًا فعالًا بقدر البنادق. لذلك استخدموا أساليب نفسية منظمة لنشر الخوف بين الفلسطينيين ودفعهم إلى الهرب بأقدامهم قبل أن تصل إليهم القوات.

من بين هذه الأساليب:

  • بث الشائعات عن مجازر قادمة، عبر إذاعات محلية أو منشورات تُلقى من الطائرات. كانت الأخبار عن دير ياسين، مثلًا، تنتشر بسرعة وتُضخم عمدًا لتثير الرعب في القرى المجاورة.
  • إرسال تهديدات مباشرة عبر مكبرات الصوت أو الرسائل، تخبر السكان أن أمامهم ساعات قليلة للمغادرة أو مواجهة الموت.
  • عرض القوة العسكرية من خلال استعراضات ميدانية أو قصف عشوائي يسبق الهجوم، لإقناع المدنيين بأن المقاومة مستحيلة.

إلى جانب ذلك، عملت الحركة الصهيونية على إدارة روايتها الإعلامية للعالم الخارجي. فبينما كانت ترتكب المجازر على الأرض، كانت تبث للعالم رواية معاكسة تمامًا: أن الفلسطينيين غادروا "طوعًا"، وأن الزعماء العرب طلبوا منهم الإخلاء انتظارًا لهجوم شامل. هذه الرواية – رغم زيفها – تبنتها الدعاية الإسرائيلية وروّجت لها في الصحافة الغربية.

ويؤكد بابيه أن هذا الاستخدام المزدوج للرعب والدعاية كان أحد أعمدة نجاح مشروع التطهير العرقي. فالفلسطيني الذي يهرب من قريته، يترك خلفه بيته وأرضه وممتلكاته، ثم يجد نفسه بعد أسابيع أمام أخبار في الإعلام تقول إنه "غادر باختياره"! وهكذا يتحول الضحية في الرواية العالمية إلى الجاني على نفسه.

كما أن الحرب النفسية كانت أداة للحيلولة دون أي محاولة للعودة. فالمهجرون الذين فكروا في الرجوع إلى قراهم كانوا يسمعون أن القرى قد دُمرت أو أن من يعود سيُقتل. بذلك استُكملت دائرة التهجير: قتل وتدمير على الأرض، ورعب وتشويه في الوعي.

باختصار، يُظهر هذا الفصل أن التطهير العرقي لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان مشروعًا شاملًا يستخدم السلاح واللغة معًا: السلاح لطرد الفلسطينيين، واللغة لتبرير ذلك أمام العالم وإقناعهم بأنهم بلا حق.


الفصل السادس: اللاجئون الفلسطينيون والمأساة المستمرة.

بعد أن تناول بابيه المجازر وتدمير القرى والحرب النفسية، يصل بنا الآن إلى النتيجة الطبيعية لهذه السياسات: أكبر مأساة لجوء في القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية.

ففي عام 1948 وحده، طُرد ما يقرب من 750 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم، ليتحولوا إلى لاجئين في دول الجوار: الأردن، لبنان، سوريا، مصر، إضافة إلى الضفة الغربية وغزة. هذا الرقم كان يشكل أكثر من نصف الشعب الفلسطيني آنذاك.

يصف بابيه مشاهد النزوح الجماعي بأنها من أكثر اللحظات مأساوية في التاريخ الحديث:

  • عائلات كاملة تُساق تحت تهديد السلاح.
  • قوافل من الرجال والنساء والأطفال يسيرون على الأقدام لمسافات طويلة، بلا طعام ولا ماء.
  • مشاهد موت العشرات على الطرقات من العطش والجوع والإنهاك.

أما من وصل إلى حدود الدول العربية المجاورة، فقد وجد نفسه في معسكرات لجوء مؤقتة تحولت لاحقًا إلى مخيمات دائمة. هذه المخيمات لم تكن سوى خيام بدائية في البداية، ثم تطورت إلى بيوت هشة من الزنك والإسمنت، لكنها ظلت دائمًا ترمز إلى "المؤقت الدائم"؛ أي حياة معلقة بين الماضي الضائع والمستقبل المسلوب.

ويشير بابيه إلى أن المجتمع الدولي – ممثلًا في الأمم المتحدة – حاول احتواء الكارثة بإنشاء وكالة خاصة، هي الأونروا (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) عام 1949. لكن هذه الوكالة، رغم جهودها في التعليم والصحة، لم تستطع أن تعالج جوهر القضية: حق العودة.

الأخطر من ذلك أن إسرائيل رفضت بشكل قاطع السماح لأي لاجئ بالعودة، رغم القرارات الدولية الواضحة (مثل القرار 194). وقد تبنت سياسة "الرفض المطلق"، إذ كانت ترى أن عودة الفلسطينيين تعني تقويض الطابع اليهودي للدولة الجديدة.

وهكذا، تحولت النكبة من مأساة إنسانية إلى أزمة سياسية مستمرة. اللاجئون لم يصبحوا مجرد "ضحايا حرب"، بل تحولوا إلى شعب مشرد بالكامل، تتوارث أجياله حق العودة من جيل إلى آخر.

يُبرز بابيه أن هذه المأساة لم تتوقف عند حدود عام 1948، بل استمرت عبر العقود: فالمخيمات التي كان يُفترض أن تكون مؤقتة أصبحت مدنًا مكتظة بالبؤس، بينما ظل اللاجئون يعيشون حالة من الانتظار الطويل، بين حلم العودة وواقع المنفى.

باختصار، يكشف هذا الفصل أن التطهير العرقي لم يكن مجرد حدث تاريخي في الماضي، بل جرح مفتوح ما زال ينزف حتى اليوم، لأن ملايين اللاجئين الفلسطينيين حول العالم هم الدليل الحي على جريمة لم تُعالج جذورها.

 

الفصل السابع: المجتمع الدولي والتواطؤ بالصمت.

بعد أن أوضح بابيه كيف تحولت النكبة إلى مأساة لجوء مستمرة، يسلّط الضوء هنا على الدور الذي لعبه المجتمع الدولي، أو بالأحرى صمته وتواطؤه، في ترسيخ جريمة التطهير العرقي.

منذ اللحظة الأولى، كان المجتمع الدولي يعرف ما يجري في فلسطين. فالتقارير التي وصلت إلى الأمم المتحدة، وإلى عواصم العالم الكبرى، لم تترك مجالًا للشك: هناك شعب يُطرد من أرضه، ومجازر تُرتكب بحقه، وقرى تُمحى من الوجود. ومع ذلك، لم يتحرك العالم لوقف هذه الجرائم.

الأمم المتحدة، التي أصدرت القرار 181 لتقسيم فلسطين عام 1947، سرعان ما وجدت نفسها أمام واقع جديد صنعته القوة العسكرية الصهيونية. ورغم صدور القرار 194 الذي نص بوضوح على "حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم"، فإن هذا القرار ظل حبرًا على ورق، بلا آلية تنفيذية ولا إرادة سياسية حقيقية.

أما الولايات المتحدة والدول الأوروبية الكبرى، فقد اختارت تبني الرواية الإسرائيلية، معتبرةً أن ما جرى هو "حرب استقلال" لا تطهير عرقي. وقد لعبت الحرب الباردة دورًا مهمًا هنا، إذ رأت واشنطن في إسرائيل حليفًا استراتيجيًا في مواجهة الاتحاد السوفييتي، بينما فضّلت أوروبا التكفير عن جريمة الهولوكوست عبر دعم المشروع الصهيوني.

على الجانب الآخر، حاولت بعض الدول العربية إثارة القضية في المحافل الدولية، لكن ضعفها العسكري والسياسي جعل صوتها خافتًا أمام ثقل النفوذ الغربي. وهكذا تُرك اللاجئون الفلسطينيون لمصيرهم، محاصرين بين خيام الأونروا ووعود جوفاء لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

ويشير بابيه إلى أن هذا الصمت الدولي لم يكن مجرد إهمال، بل شكل من أشكال التواطؤ غير المباشر. فحين تُرتكب جريمة بهذا الحجم ويُسمح للجناة بالاستفادة من نتائجها دون عقاب، يصبح الصمت مشاركة فعلية في الجريمة.

الأخطر أن هذا الصمت أسس لنمط متكرر: إسرائيل تنتهك، والمجتمع الدولي يكتفي ببيانات تنديد شكلية، بينما الواقع على الأرض يترسخ لصالح الاحتلال. ومن هنا يخلص بابيه إلى أن المجتمع الدولي لم يكن شاهدًا محايدًا، بل كان طرفًا ساهم بصمته في تحويل النكبة إلى واقع دائم.


الفصل الثامن: إعادة كتابة التاريخ وتزوير الذاكرة.

بعد أن تناول بابيه التهجير والمجازر وتواطؤ المجتمع الدولي، ينتقل في هذا الفصل إلى جانب آخر بالغ الأهمية: المعركة على الذاكرة والتاريخ. فالتطهير العرقي لم يتوقف عند حدود الأرض والسكان، بل امتد ليشمل الوعي والسردية.

منذ اللحظة الأولى، أدركت الحركة الصهيونية أن رواية الأحداث لا تقل أهمية عن الأحداث نفسها. فبينما كان الفلسطينيون يعيشون النكبة واقعًا ملموسًا، كان الإسرائيليون يعملون على صياغة قصة بديلة تُروى للعالم:

·        بدلاً من "طرد الفلسطينيين بالقوة"، قالوا إنهم "غادروا طوعًا".

·        بدلاً من "مجازر منظمة"، تحدثوا عن "معارك دفاعية".

·        وبدلاً من "احتلال قسري"، روجوا لفكرة "عودة الشعب اليهودي إلى أرضه التاريخية".

هذه الرواية جرى ترسيخها عبر المناهج الدراسية الإسرائيلية، ووسائل الإعلام، والسينما، وحتى عبر الدبلوماسية الدولية. لم يكن الهدف إقناع الإسرائيليين فقط، بل أيضًا إقناع العالم الخارجي بأن ما جرى كان فعلًا طبيعيًا، بل مشروعًا أخلاقيًا.

في المقابل، كان الفلسطينيون يواجهون مأساة مضاعفة: ليس فقط فقدان الوطن، بل أيضًا محاولة محو ذاكرتهم من التاريخ. كل قرية دُمرت، وكل اسم أُعيدت تسميته بالعبرية، كان خطوة إضافية في عملية إلغاء الوجود الفلسطيني من السردية الرسمية.

لكن الذاكرة الشعبية قاومت. فالشيوخ الذين عاشوا النكبة حملوا معهم مفاتيح بيوتهم وصور قراهم، وحكوا لأولادهم وأحفادهم قصص الحياة قبل التهجير. وهكذا تشكلت ذاكرة جماعية مضادة، تحافظ على الحقيقة في مواجهة التزوير.

ويشير بابيه إلى أن المؤرخين الإسرائيليين التقليديين لعبوا دورًا في ترسيخ الأسطورة الصهيونية، لكن مع مرور الزمن ظهر تيار جديد عُرف باسم "المؤرخين الجدد"، ومنهم بابيه نفسه، الذين بدأوا بكشف الوثائق والأرشيفات الإسرائيلية التي تثبت أن ما جرى كان تطهيرًا عرقيًا متعمدًا.

هذا الصراع بين الروايتين – الرواية الرسمية الإسرائيلية والرواية الفلسطينية – لم ينتهِ بعد. بل هو مستمر حتى اليوم، لأن السيطرة على الذاكرة تعني السيطرة على الشرعية. فمن يملك رواية الماضي، يملك القدرة على رسم ملامح المستقبل.


الفصل التاسع: آثار النكبة على الحاضر والمستقبل الفلسطيني.

بعد أن كشف إيلان بابيه جذور النكبة وأدواتها ورواياتها المزورة، يصل بنا في هذا الفصل إلى الحديث عن الآثار العميقة والمستمرة للتطهير العرقي، والتي لم تتوقف عند حدود عام 1948، بل امتدت لتشكّل حاضر الفلسطينيين ومستقبلهم.

أول هذه الآثار هو الشتات الفلسطيني. فخلال النكبة، وجد مئات الآلاف من الفلسطينيين أنفسهم موزعين بين مخيمات في لبنان وسوريا والأردن وغزة والضفة الغربية، بل وفي المنافي البعيدة بأوروبا والأمريكتين. هذا الشتات خلق واقعًا جديدًا: شعب بلا دولة، يعيش نصفه تقريبًا خارج وطنه التاريخي، ويُحرم من حق العودة رغم القرارات الدولية.

أما من بقي داخل حدود إسرائيل الجديدة، فقد عاش تجربة مختلفة لكنها لا تقل قسوة: المواطنون الفلسطينيون في الداخل وُضعوا تحت الحكم العسكري حتى عام 1966، وعانوا من مصادرة أراضيهم، والتهميش الاقتصادي، والتمييز القانوني. وهكذا استمر التطهير العرقي بأشكال أخرى أقل دموية، لكنه أكثر استمرارية.

النكبة أيضًا خلقت جرحًا نفسيًا وثقافيًا في الوعي الفلسطيني. فقد حُرم الناس من بيوتهم وقراهم، ورأوا أرضهم تُمحى من الخرائط وتُعطى أسماء جديدة. هذا الشعور بالفقد والاقتلاع تحول إلى عنصر أساسي في الهوية الفلسطينية الحديثة، التي تشكلت حول فكرة "الذاكرة والمقاومة".

على مستوى أوسع، أثرت النكبة على العالم العربي بأسره. إذ أصبح اللاجئون الفلسطينيون جزءًا من النسيج الاجتماعي والسياسي في دول الجوار، ما أدى إلى تغييرات سكانية واقتصادية كبيرة، وأشعل صراعات سياسية حول الهوية والحقوق.

ويؤكد بابيه أن آثار النكبة ليست مجرد "نتائج جانبية لحرب قديمة"، بل هي بنية مستمرة: فالاستيطان الذي بدأ عام 1948 لم يتوقف، بل تجدد في الضفة الغربية وغزة بعد 1967، وتواصل عبر سياسات الحصار والجدار الفاصل والمستوطنات حتى يومنا هذا. أي أن التطهير العرقي ليس حدثًا من الماضي، بل مشروع ممتد في الحاضر.

الأهم أن النكبة خلقت معركة طويلة حول المستقبل. بالنسبة للإسرائيليين، كانت النكبة "نقطة بداية" لدولتهم. أما بالنسبة للفلسطينيين، فهي "جرح مفتوح" لا يمكن أن يلتئم إلا بالاعتراف بالظلم وإعادة الحق. وهكذا صار الصراع على فلسطين ليس فقط صراعًا على الأرض، بل أيضًا على الذاكرة والشرعية والعدالة التاريخية.

 

الفصل العاشر: التطهير العرقي كجريمة مستمرة ومسؤولية إنسانية.

في ختام الكتاب، يضع إيلان بابيه النقاط على الحروف: ما جرى في فلسطين عام 1948 لم يكن مجرد نزاع محلي أو حرب أهلية عابرة، بل كان تطهيرًا عرقيًا ممنهجًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هذا المصطلح، الذي قد يراه البعض قاسيًا، يصف بدقة ما حدث: طرد شعب كامل من أرضه، تدمير قراه، طمس هويته، وإحلال جماعة أخرى مكانه.

بابيه يؤكد أن النكبة ليست حدثًا من الماضي يُطوى في كتب التاريخ، بل جريمة مستمرة. فالتطهير العرقي الذي بدأ بتهجير مئات الآلاف عام 1948، استمر عبر أشكال متعددة:

·        الاستيطان في الضفة الغربية.

·        حصار غزة وتجويع سكانها.

·        سياسات التمييز ضد الفلسطينيين داخل إسرائيل.

·        محاولات محو الهوية الفلسطينية وتشويه تاريخها.

بهذا المعنى، فإن النكبة لم تنتهِ، بل تتجدد كل يوم.

ثم يطرح بابيه سؤالًا جوهريًا: ما مسؤولية العالم تجاه هذه الجريمة؟
يرى أن المجتمع الدولي لم يكتفِ بالصمت عام 1948، بل لا يزال حتى اليوم يلتزم الصمت أو يكتفي ببيانات خجولة، بينما يتواصل الظلم على الأرض. وهذا الصمت، في نظره، شكل من أشكال التواطؤ.

لكن هناك جانب آخر من الأمل: فوجود مؤرخين وباحثين – داخل إسرائيل وخارجها – يصرون على كشف الحقيقة، يعني أن الرواية الفلسطينية لم تعد مهمشة كما كانت. كما أن صمود الفلسطينيين في الشتات والداخل، وحفاظهم على ذاكرتهم وحقهم في العودة، هو بحد ذاته فعل مقاومة ضد محو التاريخ.

الخاتمة عند بابيه ليست مجرد تلخيص لما سبق، بل هي دعوة إنسانية:

·        للاعتراف بالنكبة كجريمة تطهير عرقي.

·        لمحاسبة إسرائيل على ما ارتكبته وما تزال ترتكبه.

·        لإعادة النظر في مسؤولية العالم تجاه قضية إنسانية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها.

باختصار، يختتم بابيه كتابه برسالة واضحة: العدالة لفلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل هي امتحان للضمير الإنساني كله.

لقد حاولنا في هذا الملخص أن نعيد إحياء الذاكرة، أن نفتح جرحًا قديمًا لم يندمل بعد، وأن نذكّر العالم بأن النكبة لم تكن لحظة وانتهت، بل هي مأساة مستمرة في حياة ملايين الفلسطينيين. كل قرية مُسحت، كل بيت هُدم، كل لاجئ لا يزال يحمل مفتاحه في المنفى، هو شاهد على جريمة لم تُحاسب بعد.

قد تكون الكلمات عاجزة عن نقل عمق الألم، لكنها تستطيع أن تُبقي الحقيقة حيّة، وأن تمنعها من الذوبان في صمت العالم. فمسؤوليتنا جميعًا أن نروي، أن نتذكر، وأن لا نسمح بأن يُمحى التاريخ من الذاكرة.

تعليقات