القائمة الرئيسية

الصفحات

تفكيك الأسطورة التوراتية | تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود - فراس السواح

في عالم تتشابك فيه الأسطورة بالتاريخ، وتختلط الحقائق بالروايات المقدسة، يبقى السؤال حاضرًا: كيف يمكن أن نعرف ما حدث حقًا في الماضي، وسط هذا الكم من القصص الموروثة؟

هذا ما يحاول أن يجيب عنه كتاب "تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود"، للمفكر والباحث السوري فراس السواح، أحد أبرز المتخصصين في دراسة الميثولوجيا وتاريخ الأديان المقارن.

وُلد فراس السواح في مدينة حمص السورية عام 1941، وكرّس عقودًا من حياته للبحث في النصوص القديمة، وتحليل جذور المعتقدات الدينية والأساطير في حضارات الشرق الأدنى. له العديد من المؤلفات التي أصبحت مراجع أساسية في مجاله، مثل مغامرة العقل الأولى والأسطورة والمعنى. ويتميّز أسلوبه بالجمع بين الدقة الأكاديمية والقدرة على تبسيط المعلومة للقارئ العام.

في هذا الكتاب، يخوض السواح رحلة بحثية تمتد لثلاثة آلاف عام من تاريخ أورشليم وفلسطين، يضع خلالها الرواية التوراتية تحت المجهر، ويقارنها بالمعطيات الأثرية والنصوص التاريخية المعاصرة، ليصل إلى نتائج قد تصدم البعض، لكنها تقوم على أساس علمي موثق. إنه لا يسعى لنفي الإيمان أو التقليل من قدسية النصوص، بل يريد إعادة رسم صورة التاريخ كما كان، لا كما رُوي.

فإذا كنت مهتمًا بمعرفة الحقيقة التاريخية وراء مملكة داود وسليمان، وكيف تطورت هوية اليهود، وما هو الدور الحقيقي لأورشليم في المنطقة، فهذا الملخص سيأخذك في جولة فكرية نقدية تكشف الكثير مما خفي خلف السطور.




أولاً: موضوع الكتاب: تفكيك الأسطورة وبناء التاريخ.

يتمحور كتاب "تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود" حول إعادة قراءة تاريخ مدينة أورشليم بعيدًا عن الروايات الدينية التقليدية، خصوصًا تلك الواردة في النصوص التوراتية. المؤلف، فراس السواح، ينطلق من سؤال جوهري: ما الذي يمكن للتاريخ والآثار أن يخبرانا به عن حقيقة أورشليم ومملكة اليهود، إذا جرّدنا القصة من البعد الأسطوري واللاهوتي؟

السواح يضع المدينة ضمن إطارها الأوسع في تاريخ الشرق الأدنى القديم، فلا ينظر إليها بمعزل عن الحضارات الكنعانية والمصرية والآشورية والبابلية والفارسية التي حكمت المنطقة أو أثرت فيها. هذا المنظور الواسع يساعد على فهم أن أورشليم لم تكن دائمًا مركزًا سياسيًا أو دينيًا مهيمنًا، بل مرت بفترات كانت فيها مدينة صغيرة ذات نفوذ محدود، وأخرى كانت جزءًا من إمبراطوريات أكبر.

الكتاب يرفض الاعتماد المطلق على الرواية التوراتية باعتبارها مصدرًا تاريخيًا وحيدًا، مؤكدًا أن النصوص الدينية كثيرًا ما تحمل عناصر أسطورية أو رمزية لا يمكن أخذها حرفيًا. ولهذا، يلجأ السواح إلى الأدلة الأثرية والنصوص التاريخية المعاصرة للأحداث، ليعيد بناء صورة أكثر واقعية لما حدث بالفعل.

بهذا الطرح، يتحول الكتاب إلى دعوة للتفكير النقدي: أن ننظر إلى التاريخ بعين الباحث، لا بعين المتلقي السلبي، وأن نميز بين ما هو إيمان ديني يُحترم كعقيدة، وما هو تاريخ علمي يجب أن يخضع للتحقق والبحث.

 

ثانياً: الأسئلة المحورية: البحث عن الحقيقة خلف الرواية.

1-    من هم اليهود تاريخيًا؟

يبيّن السواح أن اليهود في أصولهم التاريخية لم يكونوا شعبًا منفصلًا منذ البداية، بل كانوا جزءًا من النسيج الكنعاني في فلسطين وبلاد الشام. ظهرت جماعتهم تدريجيًا من بين قبائل عبرانية رعوية استقرت في المنطقة، وتأثرت بثقافة السكان الأصليين ولغتهم ودينهم.

 

2-    متى تشكّلت الهوية القومية أو الدينية لليهود؟

بحسب السواح، الهوية اليهودية المميزة لم تتبلور إلا في وقت متأخر، خصوصًا بعد السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد. في تلك الفترة، جرى إعادة صياغة المعتقدات والنصوص الدينية بشكل مكثف، لتشكيل هوية دينية وقومية أكثر وضوحًا، وكانت هذه العملية مدفوعة بالرغبة في الحفاظ على وحدة الجماعة في المنفى.

 

3-    هل قامت مملكة موحدة قوية في فلسطين كما تصفها التوراة؟

النتيجة التي يخلص إليها السواح هي أن الأدلة الأثرية والنصوص التاريخية لا تدعم فكرة قيام مملكة داود وسليمان بالشكل الموصوف في التوراة. أورشليم في القرن العاشر قبل الميلاد كانت مدينة صغيرة ذات نفوذ محدود، وليست عاصمة لإمبراطورية واسعة. ما تصفه التوراة أقرب إلى البناء الأسطوري أو المبالغة اللاهوتية منه إلى التاريخ الموثق.

 

4-     هل دانت أرض فلسطين باليهودية في أي وقت من التاريخ القديم؟

يشير السواح إلى أن فلسطين لم تكن يومًا بكاملها تحت الديانة اليهودية، حتى في أزهى الفترات التي حكمت فيها مملكة يهوذا. اليهودية كانت دين أقلية في معظم الفترات، بينما الغالبية الساحقة من السكان كانوا يتبعون ديانات كنعانية أو ديانات الإمبراطوريات الكبرى التي حكمت المنطقة.

 

ثالثاً: تفكيك الرواية التوراتية: بين الأسطورة والواقع.

يركّز فراس السواح في كتابه تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود على فحص الرواية التوراتية المتعلقة بتاريخ أورشليم ومملكة داود وسليمان، محاولًا التمييز بين ما هو تاريخي مثبت وما هو نتاج أسطرة أو إعادة صياغة لاحقة.

فالتوراة – كما يوضح المؤلف – ليست كتابًا تاريخيًا بالمعنى العلمي، بل نص ديني يحمل في طياته عناصر عقائدية ورمزية وأسطورية. ولذلك، فإن كثيرًا من القصص التي ترويها، خاصة عن المملكة الموحدة، تحمل سمات المبالغة في القوة والنفوذ، بل وأحيانًا تتسم بالطابع الأسطوري الذي يهدف إلى رفع مكانة الملوك والشعب في الذاكرة الدينية.

يبيّن السواح أن غياب الأدلة الأثرية القاطعة على وجود مملكة داود وسليمان بالشكل الموصوف، إلى جانب غياب ذكرهما في السجلات التاريخية المعاصرة لتلك الحقبة، يجعل من الضروري التعامل بحذر مع الرواية التوراتية. هذا لا يعني إنكار وجود شخصيات مثل داود أو سليمان بالكلية، بل يعني أن ما ورد عنهم في النصوص قد تم تضخيمه أو إعادة صياغته لأهداف دينية وسياسية، خاصة بعد العودة من السبي البابلي.

كما يشير إلى أن الرواية التوراتية تعيد بناء الماضي بروح الحنين والتمجيد، لتمنح اليهود شعورًا بالهوية الموحدة والقوة المفقودة، وهو أمر شائع في كثير من الثقافات، حيث يتم توظيف التاريخ لأهداف قومية أو دينية.

 

رابعاً: الأدلة الأثرية: ما يقوله الحفر في الأرض.

في كتابه تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود، يعطي فراس السواح أهمية كبيرة لدور علم الآثار في إعادة تشكيل الصورة الحقيقية لتاريخ أورشليم، بعيدًا عن الانطباعات التي تفرضها النصوص الدينية.

فعند مقارنة ما تذكره التوراة عن مملكة داود وسليمان بالأدلة المادية المكتشفة، نجد فجوة واضحة. الحفريات التي أُجريت في أورشليم ومحيطها لم تكشف عن بقايا لمدينة كبيرة أو عاصمة إمبراطورية في القرن العاشر قبل الميلاد، وهي الحقبة التي يُفترض أنها شهدت ذروة المملكة الموحدة. بل على العكس، تشير المكتشفات إلى أن أورشليم آنذاك كانت مستوطنة صغيرة محصنة، محدودة العمران، لا تتجاوز مساحتها بضع هكتارات، وعدد سكانها لا يؤهلها لإدارة مملكة مترامية الأطراف.

كما أن السجلات التاريخية المعاصرة، مثل النصوص الآشورية والمصرية، لم تذكر مملكة داود وسليمان بالشكل الذي تصفه التوراة، رغم أنها وثّقت مدنًا وأحداثًا أقل أهمية في المنطقة. هذا الصمت التاريخي يعزز فكرة أن النفوذ السياسي لتلك الفترة كان محدودًا، وأن تصوير المملكة بشكل إمبراطوري هو إضافة لاحقة ضمن الإطار اللاهوتي.

إلى جانب ذلك، توضح الحفريات أن كثيرًا من الأبنية والآثار التي يُقال إنها من زمن داود وسليمان، تعود في الحقيقة لفترات لاحقة، خاصة في عهد الملوك الذين حكموا بعد العودة من السبي البابلي، حين كان هناك وعي متزايد بضرورة ترسيخ هوية دينية وقومية لليهود.

 

خامساً: الفصل بين الأسطورة والتاريخ: قراءة نقدية للذاكرة الجماعية.

يرى فراس السواح أن واحدة من أكبر التحديات في دراسة تاريخ أورشليم هي التداخل العميق بين الرواية الأسطورية والحقائق التاريخية. فالتوراة، بوصفها نصًا دينيًا، لم تُكتب لتكون سجلًا تاريخيًا موضوعيًا، بل كحكاية هوية، تعيد صياغة الماضي لخدمة أغراض عقائدية وروحية.

الأسطورة – كما يوضح المؤلف – لا تعني الكذب أو الاختلاق المحض، بل هي مزيج من حقائق تاريخية وأحداث واقعية تم إعادة صياغتها وإكسابها طابعًا رمزيًا أو بطوليًا. هذه العملية شائعة في معظم الحضارات القديمة، حيث تُضفى على الملوك والأحداث صفات خارقة أو انتصارات كاسحة لتعزيز الشعور القومي أو الديني.

في حالة أورشليم، أدت هذه العملية إلى رسم صورة مملكة داود وسليمان كقوة إمبراطورية مترامية الأطراف، بينما تشير الأدلة الأثرية والتاريخية إلى كيان سياسي صغير محدود النفوذ. كذلك، تم تصوير المدينة كمركز ديني عالمي، بينما كانت في فترات طويلة مجرد مدينة محلية ضمن شبكة مدن كنعانية أوسع.

هذا الفصل بين الأسطورة والتاريخ لا يهدف إلى تقويض الإيمان الديني، بل إلى وضعه في إطاره الصحيح، وفهم النصوص على أنها مزيج من الإيمان والذاكرة الثقافية، لا كسجل وقائع حرفي. ومن خلال هذه القراءة النقدية، يمكننا إعادة بناء الماضي على أساس علمي، مع احترام رمزية النصوص وأثرها في تشكيل هوية الشعوب.

 

سادساً: المنهجية: الجمع بين النصوص والآثار لفهم التاريخ.

يعتمد فراس السواح في تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود على منهج علمي مزدوج، يدمج بين التحليل النصي والأدلة الأثرية، بهدف الوصول إلى صورة أكثر دقة وموضوعية عن الماضي.

في الجانب النصي، يقوم السواح بقراءة دقيقة للروايات التوراتية، لكنه لا يتعامل معها كنصوص تاريخية موثوقة بالكامل، بل كنصوص دينية وأدبية تحتاج إلى مقارنة بمصادر أخرى. ولتحقيق ذلك، يستعين بالنصوص المعاصرة أو الأقرب زمنيًا للأحداث التي يتناولها، مثل السجلات الآشورية والبابلية والمصرية، التي توفر منظورًا خارجيًا لما كان يحدث في المنطقة.

أما في الجانب الأثري، فيعتمد على نتائج الحفريات التي أُجريت في أورشليم ومحيطها، ويقارنها بالوصف الوارد في النصوص. هذه المقارنة تكشف الفجوات بين الرواية الدينية والمعطيات المادية، وتساعد في التمييز بين ما هو واقعي وما هو أسطوري أو رمزي.

المؤلف أيضًا يوظّف منهجية النقد التاريخي، التي تبحث في السياق الذي كُتبت فيه النصوص، والظروف السياسية والاجتماعية التي ربما أثرت على صياغتها. وبهذه الطريقة، يتعامل مع التوراة ليس فقط كمصدر ديني، بل كنتاج ثقافي يعكس رؤية مؤلفيه وأهدافهم.

هذه المنهجية تمنح الكتاب قوة تحليلية، لأنها تمنع الانحياز لأي رواية مسبقة، وتضع جميع المصادر تحت ميزان التمحيص العلمي، مما يجعل النتائج أكثر توازنًا ومصداقية.

 

سابعاً: أبرز النتائج: صورة مختلفة لأورشليم ومملكة اليهود.

بعد رحلة تحليلية جمعت بين النصوص التاريخية والأدلة الأثرية، توصل فراس السواح في تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود إلى نتائج مغايرة لما ترويه الرواية التوراتية التقليدية.

أهم هذه النتائج أن المملكة الموحدة في عهد داود وسليمان، بالشكل الإمبراطوري الموصوف في التوراة، لم توجد على الأرجح في الواقع التاريخي. أورشليم في تلك الفترة كانت مدينة صغيرة محصنة، ذات نفوذ محدود، ولم تكن مركزًا لحكم واسع يسيطر على كامل فلسطين أو خارجها.

كما خلص المؤلف إلى أن اليهودية لم تكن يومًا الديانة السائدة في كل فلسطين، بل كانت ديانة أقلية حتى في أوج قوة مملكة يهوذا، بينما بقيت الديانات الكنعانية أو ديانات الإمبراطوريات المسيطرة هي الأكثر انتشارًا.

كذلك أظهر الكتاب أن كثيرًا من أحداث الماضي اليهودي في التوراة تم صياغتها أو إعادة صياغتها بعد السبي البابلي، في محاولة لبناء هوية قومية ودينية موحدة، وهو ما يفسر الطابع المثالي والمبالغ فيه لكثير من الروايات.

في النهاية، يقدم السواح أورشليم في صورة أكثر تواضعًا وأقرب للواقع، مدينة تأثرت وذابت في الحضارات المحيطة أكثر مما سيطرت عليها، وتاريخها الحقيقي مزيج من أحداث واقعية وروايات أسطورية صاغتها الذاكرة الجماعية عبر القرون.

 

الخاتمة.

بعد هذه الرحلة عبر صفحات كتاب "تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود"، ندرك أن التاريخ ليس دائمًا كما يُروى في النصوص المقدسة أو الموروثات الشعبية. فبين الحكاية الدينية والأسطورة القومية، يقف الباحث التاريخي ليغربل الأحداث، ويبحث عن شواهد مادية ونصية تقرّبنا أكثر من الحقيقة.

قد تكون صورة أورشليم التي يقدمها فراس السواح أكثر تواضعًا مما اعتدنا سماعه، لكنها صورة قائمة على منهج علمي، تقارن الرواية التوراتية بالآثار والسجلات التاريخية، لتكشف أن كثيرًا مما نُسِب للمملكة الموحدة هو بناء رمزي أكثر من كونه واقعًا سياسيًا. وهي دعوة لأن ننظر إلى الماضي بعين الباحث، لا بعين المتلقي، وأن نميّز بين الإيمان كعقيدة راسخة، والتاريخ كعلم قابل للنقد والمراجعة.

إن قوة هذا الكتاب تكمن في شجاعته على طرح الأسئلة الصعبة، وحرصه على أن تبقى الإجابات مرتبطة بالدليل والبرهان، بعيدًا عن التوظيف الأيديولوجي للتاريخ. وهنا تكمن قيمة القراءة النقدية: أن تمنحك حرية التفكير، وتفتح أمامك أبواب المعرفة على مصراعيها.

تعليقات