القائمة الرئيسية

الصفحات

رحلة إلى البلدان الاشتراكية | غابرييل غارسيا ماركيز بين موسكو وكوبا والصين وأوروبا الشرقية

 تخيّل أن ترافق غابريل غارسيا ماركيز، صاحب مئة عام من العزلة، في رحلة استثنائية ليست بين القرى الكولومبية المسحورة، بل إلى قلب العواصم الاشتراكية التي كانت يومًا ما مغلقة على نفسها، محاطة بالأسوار الحديدية والرقابة الصارمة. رحلة لا تحمل ملامح الخيال السحري، بل تكشف واقعية سياسية واجتماعية أشد قسوة من أي رواية.

هذا الكتاب ليس رواية، بل أقرب ما يكون إلى شهادة حيّة من كاتبٍ اختار أن يغامر بقلمه ويذهب إلى قلب العالم الذي كان يشكّل في تلك الحقبة معسكرًا مغلقًا وسرًّا عصيًا على الفهم: الاتحاد السوفيتي، وأوروبا الشرقية، والصين، وكوبا. كان القرن العشرون يعيش إحدى أكثر لحظاته اضطرابًا؛ حرب باردة تقسم الكوكب قسمين، حلفاء متأهبون بالصواريخ، وشعوب تُساق خلف شعارات كبرى عن المساواة والعدالة والاشتراكية. وسط هذه الفوضى، لم يكتفِ ماركيز بالاستماع لما يقال عن تلك الدول، بل حمل حقيبته، وسافر إليها بنفسه، باحثًا عن الحقيقة كما تُعاش في حياة الناس، لا كما تُعرض في نشرات الأخبار.

في موسكو، عاصمة القوة الحمراء، وجد مدينة ضخمة كأنها آلة هائلة بلا قلب، تسير بدقة مدهشة لكنها تفتقد الدفء الإنساني. في وارسو، لمح شعبًا يحاول النهوض من تحت أنقاض الحرب العالمية الثانية، شعبًا ما زالت جراحه طازجة لكنه يبحث عن معنى للحياة وسط البؤس. في برلين الشرقية، المدينة المقسومة بين شطرين، شعر بالاختناق بين الجدران، ورأى بأم عينيه كيف يمكن للإيديولوجيا أن تقسم الإنسان قبل أن تقسم الجغرافيا.

أما في بكين، فقد وجد نفسه أمام مشهد آخر: ملايين الناس يعيشون تحت ظلال الثورة الثقافية، حماس جماعي يقترب من الجنون، وصرامة قاسية تكاد تمحو الفرد لصالح الجماعة. هناك، كتب عن الناس الذين يبتسمون بحذر، وعن الطرقات التي تخلو من ملامح الحياة الطبيعية، وكأن المدينة نفسها أُعيد تشكيلها لتصبح مسرحًا للأفكار لا للأفراد.

لكن حين وصل إلى كوبا، كان المشهد مختلفًا. هناك، في الجزيرة الصغيرة التي ألهمت ملايين الحالمين، وجد طاقة ثورية غامرة، شعبًا متحمسًا يختلط فيه الأمل بالإيمان بأن الثورة قد تغير العالم. في هافانا، شعر ماركيز أن الاشتراكية ليست فقط شعارات جامدة، بل حكاية شعب يريد أن يصنع تاريخه بيديه، رغم كل العقبات.

إن ما يجعل هذا الكتاب مميزًا ليس فقط أنه ينقل صورًا من أماكن بعيدة، بل لأنه يرسم ملامح الإنسان العادي وسط هذه التحولات الكبرى. ماركيز، بعينه الصحفية وموهبته الروائية، لم يكن يكتب عن السياسة مجردة، بل عن الحياة كما تنبض في الأسواق، في البيوت، في عيون الناس. وفي كل صفحة من الكتاب، نلمس تلك المفارقة العميقة بين الحلم الاشتراكي النبيل، وبين الواقع المليء بالبيروقراطية، والخوف، والتناقضات التي تُربك أي مراقب صادق.

رحلة إلى البلدان الاشتراكية ليست مجرد مذكرات صحفية، بل نص إنساني يضعنا أمام سؤال أبدي: ماذا يحدث عندما تتحول الأفكار العظيمة إلى أنظمة مغلقة، وحين يصبح الإنسان مجرد ترس في آلة ضخمة؟ وهل يمكن للشعارات مهما كانت نبيلة أن تُطعم جائعًا، أو تواسي يتيمًا، أو تمنح الحرية لروحٍ تتوق إليها؟

وهنا تتجلى عبقرية ماركيز، فهو لم يكن يكتفي بالوصف، بل كان يترك لنا في كل سطر ملمحًا من الشك، وإشارة إلى التناقض، وصوتًا خفيًا يسائل التجربة كلها. إننا نقرأ الكتاب اليوم فنشعر كأننا نسير بجانبه، نتوقف أمام مشهد في موسكو، أو نصغي إلى حديث في هافانا، أو نرى بعينيه بكين المليئة بالصمت والصرامة.




العنصر الأول: خلفية الرحلة ودوافع ماركيز.

لم تكن رحلة غابريل غارسيا ماركيز إلى البلدان الاشتراكية مجرد صدفة أو نزوة صحفية عابرة، بل جاءت في سياق مسار شخصي وفكري كان الكاتب يعيش تفاصيله في تلك الحقبة. فقد كان ماركيز في الخمسينيات والستينيات صحفيًا متنقلاً، يعمل في عدد من الصحف والمجلات بأمريكا اللاتينية وأوروبا، حيث كان ينقل إلى قرائه أخبار العالم بعيون كاتب شغوف بالإنسان قبل أن يكون مسكونًا بالسياسة.

في تلك السنوات كانت الاشتراكية حديث الساعة، وخاصة في العالم الثالث. كثير من المثقفين والفنانين كانوا ينظرون إليها كأمل جديد يواجه الهيمنة الرأسمالية والاستعمارية. وكولومبيا – مسقط رأس ماركيز – كانت بدورها تعيش اضطرابات سياسية واجتماعية عنيفة، جعلت من فكرة العدالة الاجتماعية والمساواة حلمًا يراود الجماهير. لذلك كان من الطبيعي أن يشعر ماركيز بجاذبية خاصة تجاه هذا العالم الذي يعد ببديل جذري عن النظام القائم.

لكن، ورغم هذا الانجذاب، لم يكن ماركيز من أولئك الذين يقبلون الأفكار على عواهنها. كان يدرك أن الشعارات شيء، والواقع شيء آخر. لذلك جاءت رحلته إلى الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية والصين وكوبا بمثابة مغامرة فكرية، أراد من خلالها أن يرى بعينيه لا بما يُقال في الكتب أو يُروّج في الصحف. لقد كان يبحث عن الإنسان وراء الأيديولوجيا، عن البعد الإنساني للحلم الاشتراكي، وهل هو ممكن التحقيق فعلاً أم أنه مجرد دعاية تستهوي العقول.

كما أن ماركيز كان يحمل معه خبرته الخاصة كصحفي من أمريكا اللاتينية، حيث خبر عن قرب فشل النخب الحاكمة في بلاده في تحقيق العدالة، ورأى الفقر واللامساواة بأم عينيه. هذا جعله متحمسًا لفكرة تجربة أخرى قد تكون أكثر إنصافًا للبشر، لكنه في الوقت ذاته كان متشككًا بما يكفي ليميز بين الخطاب والواقع.

إذن يمكن القول إن دوافع الرحلة كانت مزدوجة:

  • فكرية: رغبة في اختبار الشعارات الاشتراكية على أرض الواقع.
  • صحفية: تقديم صورة مختلفة لجمهوره في أمريكا اللاتينية، بعيدًا عن الروايات المعلبة التي تبثها الدعاية الغربية أو الشرقية.
  • إنسانية: البحث عن قصص الناس البسطاء الذين يعيشون داخل هذه الأنظمة، وكيف تؤثر السياسات الكبرى على تفاصيل حياتهم اليومية.

بهذا المعنى، فإن رحلة إلى البلدان الاشتراكية لم تكن فقط تجربة ميدانية، بل كانت محاولة لفهم العالم عبر عيون أديب وصحفي في آن واحد، شخص يرفض التسليم السهل بأي حقيقة جاهزة، ويصر على أن يختبر الواقع بنفسه.


العنصر الثاني: الاتحاد السوفيتي – موسكو قلب الاشتراكية.

حين وطأت قدما ماركيز أرض موسكو، كان يشعر أنه يدخل إلى قلب العالم الاشتراكي، إلى العاصمة التي تُقدَّم للعالم بوصفها مركز الثورة ومختبر المستقبل. الاتحاد السوفيتي آنذاك كان يرفع شعارات العظمة الصناعية والعدالة الاجتماعية، وكان يحاول أن يصوّر نفسه كبديل حضاري كامل للرأسمالية الغربية. لكن كيف بدا الأمر في عيني ماركيز؟

أول ما لفت انتباهه هو النظام الصارم الذي يحكم تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع واسعة ونظيفة، المباني الضخمة تشي بالقوة والانضباط، والناس يسيرون بخطى سريعة كأنهم جزء من آلة ضخمة. كان كل شيء يوحي بالقوة، لكنه في الوقت نفسه بدا لماركيز بارداً، يفتقر إلى العفوية والدفء الإنساني.

زار ماركيز عدداً من المصانع والمعامل، ورأى كيف يتم التركيز على الإنتاج الكبير، وكيف يُرفع شعار "العمل شرف" في كل مكان. لقد أُعجب بالقدرة على التنظيم، وبالحماسة التي يبديها العمال في أداء واجباتهم. ومع ذلك، لم تفته الملاحظات الدقيقة: وجوه متعبة، صمت يخيّم على الناس، وحذر في الحديث كأن الجميع يخشى أن يقول شيئًا في غير محله.

أما موسكو الثقافية، فكانت بالنسبة له عالماً آخر. المسارح تعج بالعروض، الموسيقى الكلاسيكية منتشرة، والكتب متاحة للجميع بأسعار زهيدة. شعر ماركيز أن الثقافة تحظى بمكانة مركزية في الحياة السوفيتية، لكن ما أدهشه هو غياب حرية الاختيار: نعم، الكتب متوفرة، لكن ما يُنشر يخضع لمراقبة صارمة، والعروض المسرحية والسينمائية تصبّ في خدمة الخطاب الرسمي.

ومن بين أكثر المشاهد التي سجّلها ماركيز، هو ذلك التناقض بين المظاهر الرسمية والواقع المعيشي. فبينما تُقدّم موسكو على أنها مدينة عظيمة، كان يلاحظ ندرة في السلع الاستهلاكية، وطوابير طويلة أمام المحال التجارية، وأحيانًا فراغ رفوفها. بدا له أن حياة المواطن العادي محكومة بالانضباط والانتظار أكثر مما هي محكومة بالراحة والاختيار.

ومع ذلك، لم يتعامل ماركيز مع موسكو بسطحية أو رفض كامل. لقد رأى فيها إنجازات حقيقية على صعيد التعليم، والصناعة، والمساواة بين الناس. لكنّه أيضًا كشف عن الثمن الباهظ الذي يدفعه الأفراد: التضييق على الحرية الشخصية، غياب النقاش الحر، وهيمنة الخوف على المجتمع.

في النهاية، خرج بانطباع أن الاتحاد السوفيتي يمثل تجربة إنسانية ضخمة، تحمل بذور نجاح وفشل في آن واحد. فهو مشروع جماعي هائل يحاول إعادة صياغة العالم، لكنه يضعف حين يتعلق الأمر بالإنسان الفرد، ذلك الكائن الذي كان ماركيز يبحث عنه دائمًا في كل مكان.


العنصر الثالث: أوروبا الشرقية – بين الحرب الماضية وظلال الاشتراكية.

بعد أن غادر موسكو، واصل غابريل غارسيا ماركيز رحلته إلى عدد من دول أوروبا الشرقية، حيث وجد نفسه في منطقة تمثل "الجسر" بين الاتحاد السوفيتي من جهة، والغرب الرأسمالي من جهة أخرى. بولندا، ألمانيا الشرقية، وتشيكوسلوفاكيا كانت آنذاك نماذج حية على كيف تحاول الاشتراكية أن تتجذر في مجتمعات خرجت لتوّها من أهوال الحرب العالمية الثانية.

بولندا: جراح الحرب وبداية البناء

في وارسو، ما زالت الحرب حاضرة في كل زاوية. المباني المدمّرة، الشوارع التي تحمل آثار القصف، والقصص التي يرويها الناس عن الاحتلال النازي، كل ذلك جعل ماركيز يدرك أن الاشتراكية هنا ليست مجرد خيار سياسي، بل محاولة للنهوض من الركام. أعجب بالروح القوية للشعب البولندي، لكنه لاحظ أيضًا أن الرقابة والقيود السياسية جعلت من التعبير الحر أمرًا صعبًا. في المقابل، كان التعليم مجانيًا للجميع، والعمال يتمتعون بضمانات اجتماعية لم تكن متاحة لهم قبل الحرب. بدا وكأن الدولة تحاول أن تشتري الولاء الشعبي عبر تحقيق العدالة الاجتماعية، لكنها تفعل ذلك على حساب الحرية.

ألمانيا الشرقية: مدينة منقسمة ووجوه مترددة

برلين الشرقية كانت بالنسبة لماركيز محطة مليئة بالرموز. هنا يقف جدار غير مرئي – قبل بناء الجدار الشهير لاحقًا – يفصل بين عالمين: الشرق الاشتراكي والغرب الرأسمالي. أدهشه أن الناس يعيشون يوميًا هذا الانقسام، حيث يمكنهم أن يروا بوضوح بريق الغرب على الطرف الآخر، بينما يعيشون هم حياة أكثر تقشّفًا. وجد أن الخطاب الرسمي يتحدث عن العدالة والمساواة، لكن الواقع مليء بالقيود الصارمة، وأن الوجوه التي قابلها غالبًا ما كانت مترددة في التعبير عن آرائها الحقيقية.

ماركيز التقط هنا مفارقة أساسية: أن الاشتراكية في ألمانيا الشرقية لم تكن فقط مشروعًا اقتصاديًا، بل كانت أيضًا أداة سياسية لتثبيت السيطرة السوفيتية على بلد مهزوم. وهذا ما جعل الحياة مشوبة دومًا بالشعور بالرقابة والخوف، حتى وإن كان الناس يحصلون على بعض الحقوق الاجتماعية.

تشيكوسلوفاكيا: الثقافة وسط القيود

في براغ، عاصمة تشيكوسلوفاكيا، وجد ماركيز مدينة ذات جمال معماري ساحر وثقافة عميقة، لكنها كانت هي الأخرى مقيّدة تحت سيطرة النظام الاشتراكي. لفت انتباهه أن المثقفين والفنانين كانوا يعيشون حالة من الانقسام الداخلي: من جهة، يستفيدون من دعم الدولة للمسرح والفن والتعليم، ومن جهة أخرى، يعانون من حدود ضيقة لا يمكن تجاوزها في التعبير.

ومثلما لاحظ في موسكو، تكررت أمامه الظاهرة ذاتها: إنجازات اجتماعية واقتصادية واضحة – تعليم وصحة مجانيان، مساواة طبقية نسبية – لكن يقابلها نقص شديد في الحرية الفردية وغياب التنوع الفكري.

الخلاصة: صورة مزدوجة

خرج ماركيز من أوروبا الشرقية بانطباع معقّد: هذه مجتمعات ما زالت تلعق جراحها من الحرب العالمية الثانية، والاشتراكية فيها تُقدَّم كطريق للخلاص والبناء من جديد. لكنه شعر أن هذه الأنظمة، في سعيها إلى القوة والاستقرار، قد أهملت الجانب الأهم: حرية الإنسان الفردية. كانت الصورة أشبه بوجهي عملة: وجه يحمل الأمل بالمساواة، ووجه آخر يحمل الخوف والرقابة.

 

العنصر الرابع: الصين – في خضم الثورة الثقافية.

حين وصل غابريل غارسيا ماركيز إلى الصين، وجد نفسه أمام عالم مختلف تمامًا عن الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية. فالصين في تلك الفترة كانت تعيش إحدى أكثر اللحظات تقلبًا في تاريخها: الثورة الثقافية بقيادة ماو تسي تونغ. هذه الثورة لم تكن مجرد مشروع اقتصادي أو سياسي، بل كانت محاولة لإعادة تشكيل المجتمع الصيني بأسره، بدءًا من طريقة التفكير وصولًا إلى تفاصيل الحياة اليومية.

الانطباع الأول: أمة هائلة تتحرك

أول ما صدم ماركيز في الصين هو الحجم البشري الهائل. الشوارع مكتظة بالناس، المدن تضج بالحركة، والقرى الريفية تبدو وكأنها عوالم مستقلة بذاتها. أحس أنه أمام شعب متماسك، يعمل ككتلة واحدة، مدفوع بإيمان عميق بالثورة التي يقودها ماو. لكن هذا الإيمان كان يحمل أيضًا شيئًا من الطابع العقائدي الصارم، حيث بدا وكأن الناس يعيشون وفق نصوص محددة أكثر مما يعيشون وفق تجارب فردية.

المجتمع والثقافة: الطاعة قبل الحرية

لاحظ ماركيز أن الثورة الثقافية قد خلقت مجتمعًا جديدًا يقوم على محو الفوارق الطبقية ومحاولة القضاء على أي أثر للنخب القديمة أو الثقافة التقليدية التي اعتُبرت “رجعية”. المدارس والجامعات كانت مليئة بالشعارات الثورية، الكتب القديمة أُزيلت أو أُعيد تفسيرها، وحتى الفنون أعيد تشكيلها لتخدم خطاب الحزب.

رأى ماركيز في ذلك وجهين متناقضين: من جهة، كان هناك حماس شعبي حقيقي لبناء مجتمع أكثر مساواة؛ ومن جهة أخرى، كان هناك تضييق شديد على حرية الإبداع والفكر، حتى أن الناس كانوا يرددون أقوال ماو كما لو كانت نصوصًا مقدسة لا تقبل النقاش.

الحياة اليومية: البساطة والانضباط

في المدن، لاحظ بساطة الحياة: الملابس متشابهة (البدلة الرمادية أو الزرقاء كانت زيًّا شبه موحّد)، الطعام متواضع، والسلع الاستهلاكية محدودة. ورغم قلة الموارد، كان هناك شعور بالرضا لدى كثير من الناس، ربما لأنه لا أحد يمتلك أكثر من الآخر. هذه المساواة جعلت الفوارق الطبقية شبه غائبة، لكنها في المقابل حرمت الناس من التنوع والاختيار.

ما وراء الشعارات

ماركيز، بعينه الناقدة، لم يكتف بملاحظة المظاهر، بل تساءل: هل يمكن لمجتمع أن يعيش طويلًا على أساس الشعارات وحدها؟ هل يمكن للانضباط الجمعي أن يحلّ محل الإبداع الفردي؟ لقد رأى في الصين مثالًا صارخًا على القوة التي يمكن أن تملكها الأيديولوجيا حين تتجذر في حياة الناس، لكنها في الوقت ذاته كشفت له هشاشة هذه القوة عندما يتم تقييد الحرية بشكل كامل.

انطباعه النهائي

تركَت الصين في نفس ماركيز أثرًا خاصًا. فقد بدت له وكأنها تجربة اشتراكية مغايرة: ليست نسخة من النموذج السوفيتي، بل مشروع له جذوره في الثقافة الصينية القديمة وتطلعاتها الحديثة. لكنه لم يخفِ قلقه من أن يتحول هذا الحماس الجماعي إلى نوع من العمى الفكري، حيث يغيب صوت الفرد تحت صخب الجماعة.

 

العنصر الخامس: كوبا – التجربة الأكثر حماسة وإشراقًا.

إذا كانت موسكو قد مثّلت لماركيز قلب الاشتراكية الرسمي، وأوروبا الشرقية مسرحًا لتجارب مترددة، والصين نموذجًا خاصًا بالانضباط الجماعي، فإن كوبا كانت بالنسبة له التجربة الأقرب إلى قلبه والأكثر إشراقًا. فهي ليست بلدًا بعيدًا عنه جغرافيًا وثقافيًا، بل تقع في محيطه اللاتيني، وتتشابه معه في اللغة والتاريخ والاستعمار والتطلعات. لذلك حملت زيارة كوبا طابعًا شخصيًا وعاطفيًا مختلفًا تمامًا عن باقي الرحلة.

الثورة الفتية

وصل ماركيز إلى كوبا بعد انتصار الثورة بقيادة فيدل كاسترو وتشي غيفارا، حيث كان الحماس الشعبي في ذروته. الشوارع مليئة بالملصقات الثورية، الأناشيد تصدح، والناس يتحدثون عن الحرية والتحرر من الاستعمار الأمريكي كما لو أنهم يعيشون حلمًا طال انتظاره. كان واضحًا أن الثورة الكوبية لم تكن مجرد مشروع سياسي، بل كانت حلمًا جماعيًا لشعب بأكمله، وهو ما أثار إعجاب ماركيز العميق.

القرب الثقافي واللغوي

على عكس ما وجده في موسكو أو بكين من حواجز لغوية وثقافية، شعر ماركيز في كوبا أنه بين أهله. استطاع أن يتحدث مباشرة مع الناس، يسمع قصصهم بلا وسيط، يشاركهم مشاعرهم وأحلامهم. هذا القرب جعل ملاحظاته أكثر دفئًا وإنسانية، وأقل جفافًا من التقارير الصحفية.

إنجازات ملموسة

لفت نظره أن الثورة الكوبية كانت تعمل بسرعة لتغيير حياة الناس: حملات لمحو الأمية في كل مكان، مدارس جديدة تُفتح، مستشفيات تقدّم العلاج مجانًا، محاولات جادة لتوزيع الأراضي على الفلاحين وإنهاء هيمنة الطبقات القديمة. بدا له أن كوبا، رغم صغر حجمها، تمثل نموذجًا مصغرًا للحلم الاشتراكي، لكنه هنا أقرب للناس وأكثر قربًا من احتياجاتهم الحقيقية.

التحديات والضغوط

ومع ذلك، لم يغفل ماركيز التحديات التي تواجه كوبا: الحصار الأمريكي الذي بدأ يضيّق الخناق، التوترات الداخلية الناتجة عن التحولات السريعة، وصعوبة بناء اقتصاد قوي في ظل عزلة دولية. لكنه لاحظ أن الشعب الكوبي كان يعيش هذه التحديات بروح مختلفة عن أوروبا الشرقية؛ بروح متفائلة، مليئة بالحماسة والإيمان بالثورة، حتى وإن كانت الإمكانيات محدودة.

ما ميز كوبا في نظره

الفرق الجوهري بالنسبة لماركيز هو أن الاشتراكية في كوبا لم تُفرض من الخارج أو تأتي بضغط سياسي كما في أوروبا الشرقية، بل خرجت من صميم الشعب نفسه. إنها ثورة محلية أصيلة، تحمل بصمة لاتينية، وتستند إلى حلم التحرر من الاستعمار أكثر من مجرد اتباع نموذج سوفيتي جاهز. هذا جعلها أكثر إنسانية ودفئًا، وأقرب إلى قلبه كأديب لاتيني.

انطباعه النهائي

غادر ماركيز كوبا وهو يشعر أن التجربة الكوبية – رغم صغرها ومحدوديتها – قد تحمل بذور نجاح لم تستطع تجارب كبرى كالصين أو الاتحاد السوفيتي أن تحققه: إنها اشتراكية تنبع من الناس، وتعتمد على طاقاتهم وأحلامهم، وليست فقط مشروع دولة فوقية. بالنسبة له، كانت كوبا تمثل الوجه الأكثر إشراقًا للاشتراكية، ولو أنه لم يخفِ قلقه من الضغوط الخارجية التي قد تخنق هذه التجربة الفتية.

 

العنصر السادس: نقد ماركيز للاشتراكية – الفجوة بين النظرية والواقع.

على امتداد رحلته بين موسكو وبراغ ووارسو وبكين وهافانا، لم يكتفِ غابريل غارسيا ماركيز بوصف المشاهد، بل مارس دوره الأصيل ككاتب وصحفي ناقد، يوازن بين ما يُقال وما يُعاش. الاشتراكية التي دخل إليها كانت مشروعًا ضخمًا يَعِدُ بالمساواة والعدالة والحرية من الاستغلال، لكن ماركيز أدرك سريعًا أن الواقع لا يطابق تمامًا تلك الشعارات.

الإنجازات الحقيقية

ماركيز لم يكن ناقدًا عدميًا. بل اعترف بوضوح بما رآه من نجاحات حقيقية:

  • التعليم والصحة متاحان للجميع بشكل شبه مجاني.
  • الفوارق الطبقية ضُيّقت إلى حد بعيد.
  • العمال والفلاحون أصبحوا جزءًا من المعادلة السياسية والاجتماعية، بعد أن كانوا مهمشين تمامًا في العهود السابقة.
  • الثقافة والفنون تحظى برعاية الدولة، مما جعلها في متناول عامة الناس.

هذه الجوانب أبهرت ماركيز لأنها عكست فعلاً أن الاشتراكية نجحت في تقليص اللامساواة ومنح الكرامة للطبقات الدنيا، وهو أمر كان غائبًا في كثير من دول أمريكا اللاتينية التي جاء منها.

الوجه المظلم

لكن الوجه الآخر للصورة كان أشد قتامة:

·        الحريات الفردية شبه غائبة، فالخوف والرقابة حاضران في كل مكان.

·        الإبداع الفكري والفني كان محاصرًا، إذ لا مكان إلا لما يخدم الخطاب الرسمي.

·        الاقتصاد، رغم قوته في بعض المجالات، كان يعاني من بيروقراطية خانقة ونقص في السلع الأساسية.

·        الإنسان الفرد، بخصوصيته وأحلامه المختلفة، كان غالبًا ما يُختزل في صورة "العامل" أو "الجندي" في خدمة الدولة.

ماركيز شعر أن الاشتراكية، في سعيها لتحقيق العدالة الاجتماعية، قد سطّحت إنسانية البشر، وجعلتهم نسخًا متشابهة تسير في خط واحد.

المقارنة بين النماذج

·        الاتحاد السوفيتي: قوة صناعية وتنظيم، لكن ببرود وبيروقراطية خانقة.

·        أوروبا الشرقية: محاولات للبناء من رماد الحرب، لكن ظلال الخوف والهيمنة السوفيتية كانت طاغية.

·        الصين: طاقة بشرية هائلة، لكنها مقيدة بشعارات عقائدية تحولت إلى شبه طقوس.

·        كوبا: الحلم الأكثر صدقًا ودفئًا، لكنه هش أمام التحديات الخارجية.

الخلاصة النقدية:

خلص ماركيز إلى أن الاشتراكية ليست كتلة واحدة متجانسة، بل هي تجارب مختلفة باختلاف المجتمعات. لكنها جميعًا واجهت معضلة أساسية: التوازن بين العدالة والحرية. فقد استطاعت هذه الأنظمة أن تحقق قدرًا من العدالة الاجتماعية، لكنها دفعت الثمن غاليًا على مستوى الحريات الفردية والإبداع الإنساني.

وهنا تتجلى عبقرية ماركيز الصحفي والأديب معًا: لم يخرج بتقرير أيديولوجي جاهز، بل برؤية إنسانية ناقدة، تلتقط النجاحات كما تكشف الإخفاقات، وتضع الإنسان دائمًا في مركز الاهتمام.


الخاتمة: رحلة بين الحلم والواقع.

في رحلة إلى البلدان الاشتراكية قدّم لنا غابريل غارسيا ماركيز صورة بانورامية لعالمٍ كان يعيش في قلب الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب. لم يكن كتابه دعاية للنظام الاشتراكي، ولم يكن أيضًا هجاءً عدائيًا له، بل كان شهادة حيّة من كاتب يملك عين الصحفي الدقيقة وقلب الأديب المرهف.

لقد رأى ماركيز في هذه الرحلة إنجازات ملموسة: تعليم وصحة للجميع، مساواة نسبية بين الطبقات، شعوب تعيش حلم التحرر من الاستغلال. لكنه رأى أيضًا الوجه الآخر: غياب الحريات، الخوف من التعبير، بيروقراطية خانقة، وانطفاء روح الفرد وسط آلة جماعية ضخمة.

الاتحاد السوفيتي أدهشه بانضباطه وقوته، لكنه بدا له بارداً وبلا روح. أوروبا الشرقية كانت مزيجًا من إعادة البناء والخوف الدائم من الرقابة. الصين أبهرت بحجمها وحماسها الجماعي، لكنها أرهبت بصرامة شعاراتها. أما كوبا، فكانت بالنسبة له التجربة الأقرب إلى القلب: ثورة حقيقية خرجت من الشعب، تحمل الدفء والأمل رغم محدودية الإمكانيات.

وهكذا خلص ماركيز إلى أن الاشتراكية، مثل كل فكرة كبرى، تحمل وعودًا عظيمة، لكنها قد تنقلب إلى قيود حين تنسى الإنسان الفرد. لقد عاد من رحلته وهو أكثر إيمانًا بأن الحقيقة لا تُختصر في أيديولوجيا واحدة، بل تكمن في تفاصيل البشر وتجاربهم الحية.

إن قراءة هذا الكتاب اليوم ليست مجرد استعادة لماضٍ مضى، بل هي تذكير بأن الأفكار الكبرى لا تختبر قيمتها إلا حين تُترجم إلى حياة الناس اليومية. وماركيز، كعادته، ترك لنا لوحة إنسانية صادقة، فيها الضوء كما فيها الظل، فيها الأمل كما فيها الخيبة.

تعليقات